الصوم عن الكلام

0 799

بقلم : سلوى الغرظاف

الصوم عن الكلام

اليوم يوم أحد حين قررتْ الصوم عن الكلام ليوم بأكمله. ستكون فرصتها لتراجع نفسها، محاولة الإنصات لما يخالج داخلها من أفكار ومشاعر لَبِثَتْ تضايقها، ابتداء بتساؤلها هل هي فعلا سعيدة؟ هل حققت كل ما تحلم به؟ لِمَ أصبحت عصبية؟ قررتْ التركيز والتأمل، بداية بنفسها، ثم بأولادها. حتى يتسنَّى لها تأمل حركاتهم … الإصغاء لكلامهم … ضحكاتهم … غضبهم … صخبهم … ولحظات صراخهم.
أعدت وجبة الإفطار ثم أشارت إليهم للإلتمام حول المائدة … ولم تمضِ سوى بضع دقائق حتى إنتهوا من وجبتهم وانفضَّ كل إلى إكمال ما كان مشغولا به. تكرر نفس الحدث في وجبة الغذاء … ثم العشاء. الغريب في الأمر أنه لا أحد سألها لِمَ هي صامتة؟ لم لا تتكلم؟ هل هي بخير؟ اندهشت فعلا من هذا الأمر؛ ولأول مرة تتنبَّه أنها وهم يفتقدون لغة الحوار والتواصل.
مر اليوم بكامله بدون طرح أي سؤال أوالبحث عن أي جواب من طرفهم. فجأة تسائلت ما هذا؟ هل صرنا لا نحب الكلام أو الإصغاء؟ هل لا نحترم المتكلم ولو بصدق الإنصات؟ هل صار الكل مشغولا بلا شيء؟ أم صرنا لا نحب أن تلتقيَ الأعين مع بعضها، خشية أن ينكشف المختبئ من مشاعرنا سواء كان حبا أو كراهية!!!؟
صارت تلوم نفسها وتتحسرعن كيف أنها غفلت عن أطفالها؟ كيف اختفت بينهم لغة التواصل؟ هل صارت كلماتهم في أذنها جوفاء بدون معنى كالصدى تتردد، ثم تتلاشى بلا أثر؟ هل انشغلت عنهم حتى ابتعدت المسافة بينهم لهذه الدرجة، فصار طابع الأنانية يغلب على كل تصرفاتهم؟
تتساءل في دهشة من جديد إن كان حقا أنهم يتكلمون بدون قول أي شيء ذي فحوى … فمن وما السبب؟ … من كان يأمرهم بالصمت مرارا وتكرارا؟ ألم تكن هي؟ … حتى أصبح الحاسوب، وأخواته من الأجهزة الإلكترونية، وديع سرهم وأنيسهم في ظل غيابها عنهم وهي موجودة بينهم … في انعدام من ينصت لهم بحب … ويسمع بصدق … ويتكلم بلسان العقل والقلب …
فعلا هي الآن آسفة … من اليوم فصاعدا ستخلق لغة الحوار والتواصل بعيدا عن ضوضاء التلفاز، بعيدا عن رنات الهاتف وأحاديثه، بعيدا عن كل الانشغالات بأهميتها أحيانا، وتفاهاتها أحيانا أخرى. فليس هناك أروع من جلسة مع الأحباء نسمع فيها بحَّة أصواتنا، ونبضات قلوبنا. سنحس آنذاك بحلاوة الحياة ودفئها، لأن الإهمال يولد الفقدان … وأحيانا النسيان.

Loading...