“القبيلة” والسياسة ….في الرد على الشوباني ومن شاب عليه

0 32٬289

بقلم : عبدالله بوشطارت

حين نتحدث في السياسة وعن السياسة، لابد أن يكون حديثنا وخطابنا مؤسسا علميا ومعرفيا. فانتاج خطاب سياسي سليم ومقنن ومفيد ليس بالأمر الهين، بقدر ما هو عملية صعبة وشاقة تحتاج إلى مناهج علمية دقيقة، وإلى قدرات في التحليل والتفكيك والاستنتاج. لذلك يعاني الخطاب السياسي المغربي من معضلات كثيرة، أهمها أزمة المنطلقات والمرجعيات.
مرد هذا الكلام هو ما ظهر من خطاب سياسي محمل بشحنات عنيفة ومنطلقات خاطئة ومغلوطة، تسعى التشويش على كل محاولات التصحيح والتقعيد والتقليم التي باث يتعرض لها الخطاب السياسي والايديولوجي المهيمن في المغرب منذ سنة 1930، وهو خطاب قديم ظهر مجددا أثناء الحملة الانتخابية الأخيرة في إقليم الراشدية، وهي انتخابات برلمانية جزئية أسفرت عن انتخاب الشاب المناضل الأمازيغي “حميد نوغو” خريج الحركة الثقافية الأمازيغية بموقع مكناس. حيث تعرضت حملته الانتخابية لتجريح سياسي بئيس من طرف خصومه، وعلى رأسهم الحزب الإسلامي الذي يقود الحكومة الحالية للمرة الثانية على التوالي ويهيمن على مجلس جهة درعة تافيلالت والمجلس الإقليمي بالراشيدية والجماعات الترابية بمختلف مناطق الاقليم، وبالرغم من هذه الهيمنة السياسية والقواعد الانتخابية والأقطاب الدعوية التي ما فتئ الحزب يستقوي بها على خصومه السياسيين، فإنه مني بهزيمة قاسية في واحدة من الجهات التي يعتبرها معقله وخلفيته الشعبية.
هذا التجريح السياسي تمثل أساسا في نعت المرشح الأمازيغي الذي دخل غمار الانتخابات برمز حزب الوردة، بالقبلية والإثنية والعرقية والطائفية وما شابه ذلك من أوصاف قدحية تنبز إلى التفرقة والعنصرية، بمجرد أن المرشح “حميد نوغو” استطاع أن يحقق اجماعا داخل “قبيلته”، والتف حوله الشباب تطوعا لدعمه ومساندته. وبعد اعلان النتائج التي أسفرت عن فوز البرلماني بالمقعد الوحيد، خرج رئيس جهة درعة تافيلالت السيد الحبيب الشوباني، وهو قيادي في الحزب الديني- الإسلامي، ووزير سابق، نشر ما يشبه تحليلا للنتائج، في محاولة لتبرير وتجرع الهزيمة، وبأنانية سياسية وحزبية مفرطة، ومتخمة بالغلو، قائلا أن حزبه الديني والإسلامي هو الوحيد الذي يقدم “العرض السياسي” للمواطنين، في حين أن خصمه الأمازيغي قدم “العرض القبلي”، ملمحا إلى أن استعمال “القبيلة” في السياسة والانتخابات عمل غير سليم، وأن حزبه وحده هو الذي يمتلك مقومات البرنامج السياسي والتنموي…ويواجه القبيلة والأعيان التي تنتمي إلى الآليات العتيقة التي يتم استعمالها في السياسة. وبغض النظر عن المضامين الخفية التي يحملها تبرير القيادي الإسلامي، الذي كان عليه أن يسمي الأشياء بمسمياتها ويقول أن حزبه قدم “العرض الديني” ليكون تحليله منسجما، فإن تحليله لا يختلف عن التفسيرات الدعوية للحركات الدينية للإسلام السياسي في العالم التي تحول هزائمها وانكساراتها إلى انتصارات لاستدامة تدجين القواعد وبسط النفوذ عليها لضمان البقاء على الكراسي.
ارتأينا أن نخوض في هذا النقاش لما يتضمنه من مغالطات وجهل سياسي ومعرفي تجاه “القبيلة” التي يتم اقحامها في النقاش السياسي بشكل غير بريئ حينما يرتبط الأمر فقط بالأمازيغ، في حين يتم التغاضي عنها في مناطق أخرى. فلماذا بالضبط يتم مواجهة الامازيغ الذين يدخلون غمار السياسية والانتخابات ب”القبلية” دون غيرهم ؟

الجواب، بسيط للغاية، ولكنه في نفس الوقت يحتاج تفسيره مجهودا معرفيا وتاريخيا لشرحه. فالجواب بكل بساطة هو أن “الحزب السياسي” بالمغرب بصم على شهادة ميلاده على أنقاض ما يسمى ب”القبيلة” التي هي مؤسسة سياسية واجتماعية وثقافية وترابية وحضارية أمازيغية.
الذين أدخلوا مؤسسة “الحزب” من أوروبا إلى المغرب في سنة 1930 شنوا حربا عنيفة وضروسة ضد المؤسسات الامازيغية وشحنوا الحزب كجهاز وكتنظيم بيروقراطي بأديولوجية شرقية عروبية سموها “سلفية وطنية” تعادي كل ما له علاقة بالامازيغية واستهدفوا أساس مرجعيتها وهي القوانين التي يسمونها ب”الأعراف البربرية”. لذلك أعلنوا ما سمي بانتفاضة “قراءة اللطيف” في المساجد ضد القوانين الامازيغية، ثم بعدها مباشرة أسسوا أحزابهم السياسية المبنية على إيديولوجية العروبة والإسلام لتعويض المؤسسات الامازيغية في البوادي والجبال والسهول والواحات، للتحكم على رقاب الناس ومواردهم والحديث باسمهم بعد تجريدهم من مؤسساتهم المبنية على الديموقراطية الحقة وقوانينهم وخصوصياتهم. فكتابات زعماء ما سمي ب”الحركة الوطنية” ومواقفهم المتشنجة والمتطرفة تجاه الأمازيغية والأعراف كعبداللطيف الصبيحي وعلال الفاسي.. وغيرهم كثير، تشبه إلى حد كبير تصريحات “الحبيب الشوباني”، ومن على شاكلته، الذي ينتمي إلى حزب سياسي ديني (بالرغم من أن قانون الأحزاب المغربية الحالي يمنع تأسيس أحزاب على أسس دينية).

فبعد مرور حوالي قرن من الزمن 1930- 2021 إلا أن نفس الخطاب السياسي المغربي لم يتغير تجاه الامازيغ والأمازيغية الذين يطمحون إلى ممارسة العمل السياسي عن طريق الانتخابات، حيث يتم نعتهم بالقبلية واستغلال القبيلة. فما هي القبيلة في السياق المغربي والمغاربي بشكل عام؟
إن استعمال مفهوم “القبيلة” في المجتمع المغربي غير سليم، لأنه مفهوم غير واضح وغير مضبوط. كبار المؤرخين والعلماء في مختلف التخصصات الذين اشتغلوا ويشتغلون على “القبيلة” عجزوا عن إعطاء مفهوما مستوعبا لها، لسبب وحيد لأن القبيلة غير موجودة في المغرب وفي شمال افريقيا عموما، كما يؤكد ذلك المؤرخ المغربي “عبدالله العروي” في تقديمه لكتاب “علي المحمدي”، الذي أشار إلى أن غموض هذا المفهوم دفع محرري كتاب “تاريخ افريقيا العام” الصادر عن منظمة “اليونيسكو” إلى التحفظ على استعمال مفهوم “القبيلة”، وأن لا يتم استعمال كلمة “قبيلة” إلا وهي مقرونة بين مزدوجتين.
فهذا الإجراء الذي اتفق حوله كبار المؤرخين الافارقة والأجانب في استعمال كلمة “القبيلة”، ينم عن خوفهم الوقوع في الإسقاط. لأنهم يعلمون أن الكلمة / المفهوم ليس له علاقة بافريقيا.
لذلك، فهي ليست نتاج المجتمع المغربي، فالقبيلة كما يتحدث عنها الجميع اليوم، هي مستوردة ودخيلة مرتبطة بسياق تاريخي معين بعد دخول الإسلام إلى شمال افريقيا. فهي كلمة عربية يستعملها كتاب التاريخ والفقهاء داخل البلاطات المخزنية لتسمية المجموعات البشرية وتقسيمها إلى فروع لتسهيل عملية استخلاص الضرائب والاتاوات والكلف المخزنية.
وفي ذات السياق، لا حظ “روبير مونطاني” أن بعض الكلمات المستعملة لدى امازيغ الجنوب وخاصة التي لها ارتباط بالتنظيم السياسي الاجتماعي جلها مقتبسة من اللغة العربية، وعلى رأسها” تاقبيلت” التي كما هو واضح أنها مشتقة من الكلمة العربية القبيلة، كما تستعمل هذه الكلمة بصيغة المفرد، أي “أقبيل” الذي يعني من جملة ما يعنيه حسب “مونطاني” دائما مجموعة أو اتحاد بين عدد من “تقبيلين”، وهنا يزداد الغموض أكثر فأكثر، فهل تاقبيلت في المجتمعات الامازيغية تدل على نفس معنى القبيلة عند المجتمعات العربية، ونفس الشيء ينطبق على كلمةTribu ؟

وتعتبر “تاقبيلت” المفهوم الوحيد المتداول عند امازيغ المغرب، وتعني حسب “إيدمون دوتي” E. Doutté كل أشكال التنظيمات السوسيو- سياسية المندرجة في نظام القبيلة، فهي تحضر كوحدة اجتماعية وسياسية قائمة على الملكية الجماعية للأرض وعلى باقي المكونات السوسيوقتصادية التي تسمح باستمرارها.
أما “جاك بيرك” فقد أكد في مقالة علمية ومفيدة جدا حول القبيلة تحت عنوان “ما هي القبيلة بشمال افريقيا؟” على ضرورة التأصيل تاريخيا لمفهوم القبيلة وتتبع استعمالها في الوثائق الرسمية والخاصة، فإلى حدود سنة 1830كان مفهوم القبيلة يلخص عند الفرنسيين في الجزائر ثلاث تصورات: التصور الحدسي بأن البلد المعني مرتبط بإرث مسيحي، وتصور يقوم على اعتبار القبيلة تركة الإدارة التركية، ثم التصنيفات السريعة التي كانت سائدة عند الأهالي وهي تضع تحت تسمية ” عرش” و”قبيلة” تشكيلات شديدة التنوع.
وشكك بيرك في التفسيرات التي تعتمد على السلالة الواحدة والأصل المشترك، وأقر بالنسبة لشمال إفريقيا بواقع الاختلاط والانصهار ضمن الوسط الجغرافي، ولاحظ وجود أصول كثيرة متفرعة في كل مناطق المغرب الكبير المعاصر، ويعتبر أن ورود نفس أسماء المجموعات وتكرارها في مناطق متفرقة لا يرجع بالضرورة إلى الوهم النسبي، ولا عن طريق تناثر المجموعات، بل يعود إلى تقاطع جغرافي كثيف يستعصي معه تشخيص الظاهرة، كما يرجع إلى أحداث تاريخية واجتماعية بارزة. ومن ثمة، يؤكد “جاك بيرك” المتخصص في دراسة المجتمعات الأمازيغية، خاصة اطروحته العلمية المبهرة حول “إيسكساون”، يؤكد على ذلك الرابط المكاني وأهميته في تلاحم المجموعات البشرية في شمال إفريقيا، على عكس ما تتميز به القبيلة العربية التي يدعي أعضاؤها انحدارهم من جد واحد، ويقر بواقع الاختلاط وانصهار العلاقات القبلية ضمن حيز جغرافي تشترك فيه مجموعات بشرية معينة، وظاهرة القبيلة كل مبنين لا يمكن فهم أي عنصر في نطاقه دونما ربطه ببقية العناصر الأخرى، كالعادات والأعراف والقوانين الشرعية والرموز الجماعية والقيم والمعتقدات الدينية والحرب والسياسة وصولا إلى الاقتصاد والايكولوجيا، واعتبر بيرك أن هذه العناصر تشكل نظاما ونسقا اجتماعيا ومبرزا في نفس الوقت الدور المتميز للعنصر الايكولوجي سواء تعلق الأمر بتحديد آليات النشاط الاقتصادي والفلاحي بشكل خاص.

لذلك، نستخلص أن القبيلة مفهوم ملغوم، استعماله في السياق المغربي لن يجدي نفعا لفهم بنيات المجتمع المغربي، لأن القبيلة بالمفهوم العربي تعتقد أنها منحدرة من أصل أبوي او جد مشترك، في حين أن المجتمعات الامازيغية تنتسب إلى الأصل الأميسي، ويجمعها الانتماء إلى الأرض، والخضوع إلى وحدة المنظومة في التشريع التي تتجسد في “أزرف” او القانون. كما أن المجتمعات الامازيغية لا تعرف وجود ظاهرة القبائل بنفس المنطق السائد في الشرق، فالثابت تاريخيا أن الامازيغ يتشكلون من أحلاف سياسية لا ينتسبون إلى الأب أو الجد الموحد والمؤسس، وإنما يتم تمييزهم بطبيعة الأنشطة التي يمارسونها، فهم ينتمون إلى المجتمعات الوظيفية، فحين نقول إزناگن فإننا نقصد حسب تأويل صدقي أزايكو التجار أو المغارون الذين يسكنون “الخيام الجلدية” أما امصمودن أو امزموضن، يقصد بهم المزارعون، وينقسمون إلى المزارعون في الجبال على سفوح الاطلس الكبير والمزراعون في السهول في تامسنا وأزغار، إما إزناتن فيمكن تفسير تسميتهم بالذين يمارسون الرعي.
فالمجتمعات الأمازيغية لها تسمياتها الذاتية التي تدل على وحداتها السياسية وتنظيماتها الاجتماعية، مثل تاضا وأمقن (أنظر روبير أسبينيون) وأفوس وإغرم واگادير وأمون و أگراو (أنظر البيدق). فالمجتمع الطوارق الذي لم يتعرض لعملية التعريب بالشكل الذي عرفته بلدان شمال الصحراء، لا يستعمل تسمية “القبيلة” نهائيا، وانما له تسميات امازيغية خاصة تلائم المرجعية الامازيغية، وما يفيد “القبيلة” يسمى عندهم ب “تاوسيت” Tawsit التي تعني اصطلاحيا حسب “شارل دو فوكو” “راحة اليد”. ونلاحظ تشابه كبير بين تسمية “أفوس” التي يتم استعمالها في الجنوب المغربي، وتدل على مجموعة بشرية صغيرة ومحدودة تستقر في منطقة معينة وتتقاسم نفس روابط القرابة.
مجمله أن ما يسمى بالقبيلة في المغرب غير موجود وانما هو اسقاط للقبيلة ب”المفهوم العربي” في أرض شمال افريقيا، فهو مفهوم ليس من افراز التربة والمجتمع المغربيين، لذلك فما يسمى بالقبيلة عندنا هو تنظيم سياسي مبني على التحالف وعلى تدبير شؤون المجموعات التي لها نفس الانتماء للأرض والروابط المشتركة من قرابة وتاضا وتحالفات وغيرها، ما يسميه البعض ب”القبلية” هي نظرية سياسية واجتماعية طورها ابن خلدون الأب الروحي للسوسيولوجيا في نظرية “العصيبة” التي لم يفهمها بعد جل الباحثين العرب والأجانب بحكم جهلهم للمرجعية الحضارية والمؤسسات الامازيغية. وهي ما النظرية نفسها التي دافع بها السوسيولوجي الحكيم والقدير عبدالله زارو في دفاعه عن الحزب الديموقراطي الأمازيغي المغربي بعد الدعوى القضائية التي رفعتها وزارة الداخلية ضد الحزب، في مقال علمي محكم تحت عنوان “حزبنا اليوم هو قبيلتنا الأمس”.

لذلك فالذين يشهرون ورقة “القبلية” تجاه الامازيغ لتخويف وترويع المجتمع، إنما يسعون في الحقيقة إلى استدامة الهيمنة السياسية والثقافية على الأمازيغ والتحكم في مصيرهم باستعمال ايديولوجيات شرقية وغربية تضرب في صميم المرجعية الامازيغية ومؤسساتها السياسية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وقوانينها المجالية والترابية، واستدراج الامازيغ إلى أحزاب دكانية تعمل على تفكيك المنظومة الحضارية والثقافية والقانونية الامازيغية المغربية الضاربة جذورها في التاريخ.

Loading...