أحمد المديني يواصل الكشف عن ولع المبدعين العرب بالعاصمة الفرنسية

0 26٬927

يوصل الروائي المغربي أحمد المديني في كتابه “فتن كاتب عربي في باريس”، الكشف عن ولع المبدعين العرب بالعاصمة الفرنسية، وهو مسار ترسخ في أدبنا العربي منذ كتابات توفيق الحكيم وطه حسين مرورا بالكاتب اللبناني سهيل إدريس في عمله الفريد “الحي اللاتيني”.

ويتضمن الكتاب الصادر عن “دار المتوسط” في ميلانو يوميات كتبها المديني تضاف إلى ما كتبه من قبل في عمله “نصيبي من باريس”، الذي صدر في القاهرة 2014.

ويعتمد المديني في كتابه اعتمادا كاملا على نفس سردي متدفق في التعامل مع مدينة “تختصر العالم” سماها توفيق الحكيم في ثلاثينيات القرن الماضي “فاترينة العالم”، وزارها وكتب عنها الكثير من العباقرة في كل اللغات وفيها تتعايش أزيد من 100 جنسية، ما يجعل الكتابة كما يقول “ضربا من التحدي”.

يقول المديني لقارئه “هذه رؤيتي لمدينتي ولا تتوقع أن تجد مدينة سياحية تبث الانطباعات المسبقة، لأن الكتابة اختيار فني ومكلف والمدينة ذاتها إعجاز، وهي متحف وذاكرة وجسد فاتن وزمن ساخن”.

ويضيف “كلما قلقت فيها على هويتي أجدني أصنعها بإرادتي وشغفي وأوهامي، وأجمل ما في باريس مقارنة بالمدن الأخرى أنها أفلتت من سطوة تبدل وجهات النظر والأذواق وتفلت باستمرار لأنها انتقلت إلى وضع المتحف المفتوح”.

ينطلق الكاتب من فكرة “الاسترجاع” واللعب مع ذاكرته، ويبدو ما يحاوله إجمالا تجربة في استرجاع الزمن، وهي محاولة يقر باستحالتها عمليا.

ويتكرر انشغاله بهذا المفهوم الذي يتمدد في الكتاب من انشغالات الحياة اليومية إلى الكتابة الإبداعية بوصفها انشغالا وهما من هموم الكاتب الذي لا يتوقف فقط أمام محاورته لذاته، وإنما لا يكف عن محاورة مبدعين آخرين يفرض حضورهم ظله على النص، لا سيما الشاعر السويسري البارز ريلكة، الذي سبق للكاتب أن ترجم له “رسائل إلى شاعر شاب”.

يسترد المديني حضوره في مدنه الأولى التي عاش فيها طفلا ومراهقا وشابا إلى أن خرج إلى باريس، سواء كانت الدار البيضاء حاضرة المغرب الكبرى، التي تبدو مثل أول حب، أو فاس مدينته الثانية بطرازها الأندلسي، والتي تعد بمثابة ما تبقى من وشم في ظاهر اليد، أو “برشيد” مدينته الأولى التي تبدو كحلم بعيد يتداعى كطيف تجاوز الحنين، فكلما تقدم في السن تجرد.

لا تتوقف يوميات المديني عند حدود التأملات الإبداعية، وإنما يتقدم بها نحو الانخراط في الأمور اليومية والتعليق على الأحداث السياسية والانتخابات التي شهدها في باريس، ويبدي فيها مخاوفه من تصاعد يميني لافت إلى جانب ظاهرة “الإسلاموفوبيا”، التي يرصد تصاعدها المخيف ما يصعب من مهمة عيش الجاليات العربية والإسلامية.

ويتقمص المديني دور رفاعة الطهطاوي رائد التنوير المصري فيما كتبه عن باريس في منتصف القرن الـ19 فهو مثله منشغل بتأمل الأحوال المفتقدة في عالمنا العربي، ففي طريقه ينظر في صور الإيمان التي تتجدد يوميا لكنها لا تحرم المؤمن الانخراط في ملذات الحياة.

لا تغيب انشغالات الكتابة عن اليوميات، فالكاتب يراجع التزاماته دائما لكنه يحب “اللهو” مع حاجته إلى النظام، فلا مناص من النظام للكاتب.

ويوجه حديثه للقارئ قائلا: “الكتابة مكلفة متعبة شاقة، ينبغي أن تكون مهيأ لها وأن تجلس إلى منضدة عملك بانتظام مثل أي صانع لأنك صانع، وإن لم تبلغ هذا الإدراك فأنت بعد هاو تأخر عن بلوغه، فاطلب صنعة أخرى”.

ويعتقد الكاتب في يومياته أن الصمت بدوره كتابة، ومن يفقد الكتابة يقدم على انتحارات متتالية.

ويبدو النص في كثير من فقراته تأملات في العلاقة مع الكتابة وتوتر علاقة الكاتب مع الزمن، فكل لحظة عصية عن الإمساك بها، تطير من الذاكرة بسبب وطأة الأيام وتهافت العمر فوقها وتحتها.

ومن النصوص الطريفة في الكتابة ما يرصده الكاتب في علاقاته مع ناشريه وتهافتهم على الجوائز العربية باعتبارها مجالا للتقدير والمنافسة.

ويبدي إعجابا لافتا بما تقدمه الإمارات العربية في هذا الشأن لأنه “مقترن بدولة فتية ناهضة تعد البناء الثقافي والمؤسساتي للثقافة كأحد أعمدة كبرى لها، تمنحها أوسع الآفاق للانتشار والتأثر بالعالم الخارجي”.

وفي ختام اليوميات يبدي المؤلف قلقا من النهاية ويستعيد تصورات بورخيس عن اللحظة التي ينبغي فيها التوقف عن الكتابة، وعن مفهوم الكتاب، ويصحو الناقد المديني مجددا حين يتحدث عن حركة انتقال النصوص، لأن العمل الأدبي ثمرة عديدة لنصوص أخرى، وشكله النهائي يمثل اكتمال مسار في الزمن.

والمديني كاتب مغربي بارز من مواليد 1949 بمدينة برشيد، حصل على دبلوم الدراسات العليا في اللغة العربية وآدابها في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس عام 1987.

حصل على دكتوراه الدولة في الآداب من جامعة السوربون بباريس سنة 1990، ويعمل حاليا أستاذا جامعيا، وله عدة أعمال إبداعية روائية وشعرية إضافة لدراسات فكرية.

من أبرز كتاباته “حكاية وهم”، “مدينة براقش”، “الهباء المنثور”، “المخدوعون”، “طعم الكرز”، “طرز الغرزة”، “نصيبي من باريس”، “خرائط تمشي في رأسي”، “كتاب الضفاف”، “برد المسافات”، “بقايا غياب”، “الأدب المغربي المعاصر”، “وهج الأسئلة”، و”ظل الغريب”.

فاز بجائزة المغرب الكبرى للكتاب في فرع النقد والدراسات الأدبية لعام 2003، وفي فرع السرديات عام 2009، واختيرت روايته “ممر الصفصاف” ضمن القائمة القصيرة لجائزة (بوكر) في 2015.

Loading...