أرضي رغم أنف جاري

0 43٬786

بقلم: سلوى الغرظاف/ فن سبور

رغم أنه كان يحاول تفادي الاحتكاك معه، إلا أن جاره كان يتعمد استفزازه. كان يشيع بين الناس كلاما كاذبا حتى يشوه من سمعة جاره وسمعة عائلته.

بعد الاستعمار الإسباني، تم الاستحواذ على جزء كبير من الأراضي. وكانت منهم أرض “التهامي”. تم تقسيم أرضه وكأنها مِلكهم. كان الجار”بوخنشة” سعيدا بما آلت إليه أرض التهامي من تقسيم ونهب. بعدما كانت أرضه تعادل أرض بوخنشة في مساحتها. أرض التهامي يحدها الوادي، و تعطي غلة بجودة عالية، إضافة إلى المناظر الطبيعية الساحرة والمساقط المائية وكأن الأرض تأتي بالربيع و الجمال طول السنة. المياه العذبة في فصل الصيف والربيع كانت تصلح للاستجمام والهدوء والابتعاد عن صخب الحياة والناس.

كان بوخنشة يكره جاره ويستكثر عليه أن تكون أرضه بذاك الموقع الفريد. وهو الذي فرح كثيرا حين استولى المستعمر الإسباني على أرض التهامي.

حاول التهامي استرجاع أرضه بكل الطرق، حيث لجأ للمحكمة ولم يجد من يساند قضيته، فالرشوة تظهر الباطل وكأنه حق. وتدفن الحق وكأنه باطل. استنفذ الكثير من ماله. وتم استغلال هذا الموقف من طرف أشخاص يعشقون سفك الدماء.

عاد التهامي إلى عائلته مكسور الخاطر. فلم يكن له إلا أن يستسلم للأمر حتى يحين الله بتغيير الحال.

كان الرجل الإسباني يستغل الأرض ويستمتع بخيراتها ومناظرها الجميلة. شغل معه “خمَّاسين” يشتغلون في الأرض، ويأخذون خُمس أرباح المنتوج الفلاحي.

حينها كان بوخنشة يتنهد على تلك الأرض ويحلف بأخذها طال الزمن أو قصر. كان من بين مخططاته أن تكون له طريق طويلة تمتد عبر أرض التهامي حتى يتسنى له استغلال مياه الوادي الكبير. حلمه الوحيد القضاء على التهامي وكأنه عدو لدود. فماذا سيفعل المستعمر أكثر مما يفعله بوخنشة في جاره؟ رغم أن أرضه شاسعة، وتجني عليه أموالا طائلة إلا أن الحقد والبغض بقلبه أعمى بصيرته عن نعم الله عليه.

مرض الرجل الإسباني ولم يعد يستطيع رعاية الأرض المسلوبة كما من قبل. ظل من يشتغلون بالأرض لا يهتمون بها، ما دامت ليست أرضهم. استغل بوخنشة ظروف مرض الرجل الإسباني وضعف قواه، وقام بالترامي على جزء كبير من الأرض التي كانت تجاوره، أرض التهامي المسلوبة. وضع أسلاكا شائكة على الأرض المسروقة كأن الأرض تعود لملكيته، فالكل كان مشغولا بمرض الرجل الإسباني.

مرت شهور طويلة والمحاصيل بأرض التهامي المغتصبة تتراجع قيمتها. ازدادت حالة الرجل المريض سوءا. عاد أبناؤه من إسبانيا وقرروا أخذ أبيهم معهم نحو إسبانيا. كان الأبناء يرفضون المكوث بالأرض. فالعيش في تلك الأرض لم تكن اختيارهم.

ظلت الأرض بلا مسير. فقرر التهامي استرجاع أرضه المسلوبة من المستعمر. أخبر عائلته بقراره بعدما فكر جيدا.

قال لهم: “الأرض أرضنا. والوطن وطننا. وإن تراجعنا عن استرجاع حقنا المشروع الآن، سيصبح مصيرنا الذل والعار.”

أجابه ابنه البكر: “كلامك عين الصواب. إما أن نعيد الأرض وإما أن نموت. وكلاهما أشرف من الاستسلام للعدو والسكوت على الظلم.”

قال التهامي: “إذن موعدنا غدا. نجمع الرحال بخيامنا، أغنامنا وقوتنا وندخل أرضنا التي نهبت منا. إنه حق وليس باطل.”

باتت كل العائلة متشوقة لما سيحدث في الغد. كثير من الأمل وكثير من الخوف.

بعد صلاة الفجر، انطلقت كل العائلة بنسائها وأطفالها وأَغنامها ودَواجنها في مسيرة لدخول الأرض بعد حرمانهم منها لسنين طويلة.

لم يستسغ الجار بوخنشة الأمر. أحس بالغدر والشماتة لأن القرار كان سريا للغاية.

جن جنونه، وحلف بتعذيبهم وإقلاق راحتهم. ذهب بوخنشة نحو الخماسِّين وأخبرهم بأن الأرض قد سرقت منهم من طرف التهامي.

جاء الخمَّاسون وعيونهم تشع شرا وغضبا. لقد وسوس بوخنشة في عقولهم و أوهمهم أن تلك الأرض ملكهم وهم أحق بها.

ظلوا يهتفون جميعهم: “هيا اخرجوا من أرضنا! وإلا أشعلنا النيران وأحرقنا خيامكم!”

أصيبت النساء والأطفال بحالة من الخوف الشديد. همست زوجة التهامي في أذنه: “الأفضل أن نعود لأرضنا ونترك لهم هذه!”

أجابها: هل جننت؟ هذه أيضا أرضنا!

صرخ التهامي قائلا: “لا أحد يستطيع أن ينكر أن هذه أرضي. ومن قال غير ذلك، فليُشهد الله أنني كاذب! لن يستطيع أحد أن يخرجني من أرضي حتى لو قتلنا جميعا. ودماؤنا ستكون شاهدة على ظُلمكم يوم الحساب والعقاب.

من أراد أن يشتغل بالأرض كما كان من قبل، فأهلا وسهلا. وسنكون كلنا عائلة واحدة. ومن أراد أن يكون عدونا، فنحن له بالمرصاد بما أوتينا من قوة. لن يوقفنا أحد في سبيل الدفاع عن أرضنا وحقنا.

الجار لجاره ظهر وسند. ومن يخلف العهد فهو خائن وذئب ماكر.

صاح بعض الخماسين إن كلام الرجل صحيح ولا يعيبه شيء. الأرض أرضه أبا عن جد، وله تاريخ طويل وعريق. ومن قال غير ذلك فهو مرتشي وكاذب.

انضم إلى التهامي من ساندوا حقه في الأرض. بينما بقي المغفلون كمرتزقة في أرض التهامي المسروقة من طرف بوخنشة  أيام المستعمر الإسباني.

عاش الجار بوخنشة حياته كلها يشعل فتيل الصراع مع جاره التهامي. أهمل بيته وأطفاله وحياته، تكريسا لنفث سمومه. عاش يهدد أمن واستقرار جاره عنادا. ولم يدر بوخنشة أن التهامي لم ينس الجزء الآخر من الأرض، الذي سرقه منه. وأنه يخطط لاستعادة أرضه بالكامل. فالأرض وثيقة الصلة بالهوية، ولم تكن يوما مجرد سلعة.

 

Loading...