البحث عن قبر أبي

0 44٬164

بقلم: سلوى الغرظاف/ فن سبور

 

انقبَض القلب من هول المكان. من ذاك الصمت الرهيب ومن ذاك الخلاء المهجور. من بقايا النفايات المتناثرة على كل الأجساد. كأن من يسكنون هذا المكان لم يكونوا أحياءا يوما ما. كأن من يسكنونه مجرد عظام وأشلاء جفت دماؤهم وأهملت أماكنهم ليصبحوا حين رؤيتك للمكان كأنهم من المغضوبين عليهم.

كان من الصعب العثور على الإسم الذي تبحث عنه. كان من الصعب أن تطأ قدمك الأرض بدون أن تجرح من الشوك الهائج في كل مكان. تراب متعفن ببقايا القمامة هنا وهناك. وغبار يحجب عنك الرؤية كأنه ضباب.

كان اليوم حارا. الشمس المحرقة زادت من طنطنة الرأس، ومن الإحساس بأن الإنسان في هذا الكوكب من الأرض لا قيمة له حيا أو ميتا.

ظلت تحبس دموعها وبداخلها قهر، تعجز أن تتخطاه . تبحث عن إسمه من بين أسماء كثيرة. تتحول من مكان لآخر كالمجنونة حين تخاف. يتملكها شعور بالسخط والتذمر والأسى لإنعدام روح المسؤولية أمام أجساد هي لأهالينا وأجدادنا.

المكان يبدو كمخزن لبقايا الإنسان. لا يتوفر على أية معايير للإنسانية. لا يتوفر على ضمير إنساني يحترم تلك الأجساد النائمة. فتلك الأجساد كانت من قبل تمشي على الأرض مثلنا اليوم. تأكل وتشرب. تحلم وتعمل. لكنها انتهت مدتها. ليكون مآلها في غياب الضمير، إلى مكان تعجز القدم المشي فيه من كثرة النباتات العالية ذات الأشواك الحادة. ترعب الزائر فيظن أنه بمكان الحساب والعقاب ليعود من حيث أتى؛ وبداخله حزن لعدم العثور على إسم من كان يبحث عنه.

بالرغم من صعوبة الخوض في البحث، ظلت تتفقد إسمًا بإسم رافضة الإستسلام والعودة بدون أن تجد قبر والدها. بدون أن تكلمه وأن تذكره بمدى اشتياقها له، وحبها له بالرغم من مرور السنين.

كثيرة هي القبور التي كانت لا تحمل أسماء أجسادها. مسح الزمن كل الحبر الأسود لتظل الأسماء مختفية عن أنظار من يتذكرها. لكنها ظلت تبحث عن إسمه بشوق الحبيب لمحبوبه. اقتربت من قبره فأحست بوجود جسده  فيه. تتحسس بأناملها حروف إسمه المنقوشة رغم  ضياع كل الحبر من على إسمه. انفجرت باكية  كأنه للتو دُفن. فذاك الشعور بالقرب من مكان جسده جعلها تتمنى لو تستطيع التسلل إليه لرؤية وجهه الغائب. لتعتذر له عن عار المكان. في عهد من ماتت ضمائرهم التي تقبل العيش بالنفايات تحت نوافذ بيوتهم الفاخرة.

Loading...