الرجل ليس هو الحياة

0 53٬016

بقلم: سلوى الغرظاف / فن سبور

 

جلست بغرفتها تندب حظها السيئ وسوء اختيارها لرفيق الحياة. تبكي بحرقة وتلوم نفسها على تسرعها إلى دخول قفص الزواج حسب اعتقادها. كثيرات هن الصديقات اللواتي حَذرنها من الزواج. وصَفن لها الحياة الزوجية كأنها سجن، تأخر، وعبودية.

دخل زوجها الغرفة وعلى وجهه علامات الأسى. لم يقصد إغضابها. لكنها أحيانا تصبح عنيدة جدا وتتشبث بآرائها حتى لو كانت مخطئة.

. قال لها: اهدئي، لماذا تضخمين الأمُور وتَأخذينها في اتجاه معكوس؟ كم حذرتك من مواقع التواصل هاته وسوء استعمالها؟ ألم أنبهك مرارا وتكرارا بأنها وسائل للتباعد، والتنافر، والتنابز؟ كيف تريدينني قبول أن يتصل بك رجال على الهاتف وأصمت؟ حجتك الواهية هي أنهم أصدقاؤك على الفيسبوك. ما هذا الهراء والانسياب؟ ألم تعد للزواج حرمة، وللزوج قيمة؟

. نظرت إليه غاضبة: إنهم هم من اتصلوا بي! كيف أعرف نيتهم؟

. ألا يمكنك العيش دون الفيسبوك والبحث عن بديل ينفعك؟

. لا يمكنني ذلك، لأنني أستأنس به وأصدقائي فيه؟

. أي أصدقاء أيتها الساذجة، هل تعرفين أحدا منهم؟ إنك تعيشين في الخيال!

. بلى، إنني أعيش الواقع، والحياة تغيرت! لا تظن أنك تستطيع جعلي أسيرة؟ أنا إنسانة حرة أكره القيود.

شعر الزوج بالغيظ. قرر ترك المنزل قبل أن يفقد صبره. رفضت كلامه واتهمته بالتسلط.

بدأت تبكي وتتنقل في الغرفة تبحث عما يطفيء نار غضبها. دخلت على الفيسبوك وكتبت مشكلتها بتفاصيلها. كثيرون هم من رواد هذا الموقع يبحثون بين جدرانه عن سعادة مزورة وعلاج فعال لمشاكلهم التي لا تنتهي. بل صارت الناس تفتعل أحداثا وَقصصا بحثا عن الإهتمام المؤقت من أشخاص لا تعرف خَلفيتهم، أفكارهم، مبادئهم، وأخلاقهم. تسمح لأشباح أن يعالجوا مشاكلك ويغيروا مجرى حياتك نحو الهاوية.

كانت تبحث عن العطف والاهتمام. تبحث عمن يسلمها قلادة الضحية تعلقها على صدرها. انهالت عليها التعاليق كالسهام أو طلقات الرصاص. فما تلقاه الزوج من سب وشتم ودعاء بالمرض لم يعلم به، ولم تسمع أذناه صداه. كانت تستمتع بتزايد التعاليق. تستمتع بعلامات الإعجاب. تقرأ تعاليقهم وتحاور الجيش المدافع عن حقوقها من مغتصب حريتها وعدوها.

كثيرات هن من نصحها بالطلاق والحصول على حريتها التي ليس لها ثمن.

قلن لها، وألححن عليها: الرجل ليس هو الحياة أو الهواء. نحن نعيش بمجتمع ذكوري عنيف، خائن، ومنافق. إنه لا يستحقك، ولا تقبلي أبدا بأي رجل يتحكم بحياتك ويسلبك حريتك!

قضت وقتا طويلا تقرأ كل تعليق جديد انضم إلى اللائحة وتنتظر أن يأتي المزيد والمزيد من الاهتمام.

توقفت التعاليق. وانصرفت كل واحدة منهن نحو عالمها الخاص بها في واقعها المعاش. نحو حضن زوجها. نحو أطفالها وأشغالها. وساد البيت صمت رهيب. لم يرجع زوجها إلى البيت بعد. أحست بزوال قيمتها ونقص اهتمام الناس بها. عادت للبكاء فهي لم تجد حلا يريحها، ولا رأيا منطقيا يقنعها بتغيير أفكارها أو أفعالها التي قد تهدم بها سقف بيتها.

فجأة، اشتاقت لزوجها بعدما هدأت. تمعنت كلامه بعمق. أدركت أن غضبه منها جاء نتيجة حبه الشديد لها وغيرته عليها. خوفه من عالم افتراضي لا يعي مرتديه حدوده. شعرت بالندم. كيف سمحت لأسماء افتراضية أن تشْتُم زوجها وتتحدث في خصوصيتها أمام الملأ؟ تحول غضبها إلى الشعور بالبلادة و بامتلاكها شخصية ضعيفة.

عادت إلى الفيسبوك وكتبت تحت عنوان “إلى من قالت لي أن الرجل ليس هو الحياة!” سأجيبك الآن: الحياة بلا وجود زوجي الذي يحبني، ويخاف علي، ويحميني ليست حياة، بل فراغ!

مسحت دموعها وأخذت عهدا على نفسها أن تمسح صفحتها على الفيسبوك. اتصلت بزوجها تعتذر منه. سألته عن سبب تأخره. أخبرته أن العشاء جاهز وعليه العودة بسرعة حتى لا يبرد الطعام.

Loading...