بدون شريك

0 861

أن تعود للبيت بدون شريكك فيه هو قمة الوجع. قمة الانهزام أمام قدر لا تتحكم فيه. لا تجرؤ على عتابه. فلا تملك القدرة على تأخير مواعيده؛ موعد الرحيل والفراق بأيام. شهور أو بسنوات لأنك لست مستعدة بعد لهذه المرحلة. لأنك بدون ذاك الشريك تفقد الرغبة في الحياة. فقط وحده الأقرب إلى قلبك وجسدك. فقط وحده من يعرف كل تفاصيلك، كل عيوبك، كل محاسنك. فقط وحده من تعرى قلبك وجسدك وعقلك أمامه بدون خجل، بدون خوف، بدون إحساس بأن في الأمر عيب.

فكيف سيكون للبيت ضوء بدونه أو صوت بدونه. لم تتعدى خطواتها صالون الجلوس. جلست في حزن ليس له حدود. بإحساس كأن العالم من حولها كله رحل ولم يتبقى غيرها.

فالشعور بالوحدة أصعب من الشعور بالحزن. فالوحدة ليس لها حل في غياب من حولك. لكن الحزن يتخطاك بمرور الوقت حتى في أقسى المشاهد، يظل ينخفض درجة. درجة حتى يزول ليصبح ذاك الحزن مجرد ذكرى. لكن الوحدة تلازمك؛ ولا تذهب لا بالدواء ولا بعتاب للزمان ولا بأشخاص فقط أجسادهم من تجلس معك.

انتهت كل مشاهد الرواية لتأتي الحلقة الأخيرة بذهاب الجميع. ظلت بمكانها خائفة دخول غرفة نومها تلك الغرفة التي تفيض بأسرار وأشواق، دموع وأحلام. لن تستطيع فعل ذلك بدونه. ينتابها الرعب من فَتْح الباب وتمنت لو تفتح ذاك الباب فتجده نائما على السرير من جهة اليمين كما كان يفضل. تمنت أن تنادي إسمه فيجيبها بذاك العطف والحب الذي لم يذبل ولم يتغير بالرغم من تغير الحياة. تغير الصور وتغير معاني الأشياء.

ظل رجلا لها بما تحمله الكلمة من معنى عميق حتى آخر لحظة. وظل السرير خاليا من جهة اليمين ومهجورا من جهة الشمال.

فهل يمكن إكمال مشوار الحياة بدون شريك عمرك؟ أيمكن ذلك لكن بنفس مكسورة؟ فالبيت حين وجوده كان لا يفرغ من الأصدقاء والأحباب. لكن بعد رحيله، الكل رحل معه. بدأ الجميع يتراجع للخلف شيئا فشيئا.لا أحد يحب الحزن والصمت. الكل يبحث عن السهر والمرح. لهذا لن تجد في الشدة إلا القليلين وفي الفشل إلا القليلين. كأنهم سيصابون بعدوى الحزن والوحدة إن هم زاروك. لكن ستزدحم حياتك إن كنت ناجحا وسعيدا. كأنهم سيرثون منك ذاك النجاح. كلما تقدم العمر، كلما انسحب عنك من حولك لأسباب مختلفة. فينتهي بك المطاف إلى الوحدة القاتلة.

لم تستطع إطفاء إنارة البيت. فذلك الصمت الغريب الذي كان يستحوذ على كل ركن من أركان البيت الجريح زادها شعورا لا تفسير له. ظلت على نفس الكرسي حتى الصباح حيث استسلمت للنوم من شدة التعب.

استيقظت على هجوم أشعة الشمس لعينيها الذابلتين. توضأت وصلَّت. ثم أعدت قهوة الصباح كالعادة المصحوبة بالبيض المقلي بزيت الزيتون وخبز القمح. إنه فطور كل يوم جمعة. وضعت كل شيء على المائدة ثم ذهبت لتوقظه من النوم. فتحت باب الغرفة. لا تزال كل أغراضه بمكانها. إلا السرير كان خاليا من جهة اليمين. أغلقت الباب من جديد ثم عادت إلى صالون الجلوس. بخيبة أمل. كطفلة صغيرة حين تتمنى حلما كله خيال يحكمه واقع مرير. كأنه دمار.

بقلم : سلوى الغرظاف

Loading...