حجْر و اغتيال

0 43٬138

بقلم: سلوى الغرظاف/ فن سبور

 

بعثرت كل الثياب المعلقة في الدولاب. قررت أن تلقي نظرة عليها بعد طول غياب. شوق عميق بداخلها لرؤية ثيابها بعد طول مدة الأسر. وقفت تتأمل وجهها في المرآة. تختار أي ثوب تلبسه أولا، كمن يستعد لزيارة أحباء. لمحت بعينيها بقايا دمع كان قبل هنيهة كأنه مطر. عبست ملامحها وما كان لها لتنظر في المرآة! ما كان عليها أن تعيد التفكير في شعورها بالضيق والوحدة. قالت: لماذا سأجرب ثيابي وأرهق نفسي؟ إلى أين سأذهب؟

الدولاب يحمل بداخله هموم سنين وقصة كل ثوب معلق فيه. أثواب اقتنيت لمناسبات خاصة ومهمة وظلت معتقلة بالدولاب إلى أجل غير مسمى.

قالت: لا داعي لشراء مزيد من الفساتين والحقائب. فعهد اللقاءات أظنه انتهى للأبد. لم يعد هناك أعراس ولا أعياد ميلاد أو حتى جنائز نلبس فيها جلبابا نودع به من غادرونا و إلقاء النظرة الأخيرة عليهم! لقد نسيت أننا في عهد الحجر والبؤس!

ظلت تحملق في وجهها أمام المرآة. لأول مرة تنتبه إلى ظهور خطوط رقيقة تحت جفنيها! ما هذا الذي أراه؟ هل هذه تجاعيد أم ماذا؟ لم تكن عندي قبل الحجر؟ ما الذي تغير من وقتها لليوم؟ بدأتْ تفكر في الفعل المختلف الذي برزت من خلاله تلك الخطوط، تراها بارزة جدا وليست رقيقة.

خلعت حذاءها ووقفت على كرسي لترى ما إن كان جسمها قد تغير أيضا! ظلت تقترب من المرآة وتبتعد لعل الرؤية تكون واضحة ومغايرة للحقيقة التي أمامها الآن. ماهذا الجسد يا إلهي؟ هل هذا جسمي؟ أم جسمين معا؟ ظلت تتصرف كأن المرآة من فقدت جودتها وصارت تشوه الرؤية.

قالت: لا يمكن أن تكون هذه أنا؟ سأجرب ثيابي كلها لأتأكد من حجمي الحقيقي! فلا أظلم المرآة، ولا أظلم نفسي. ما إن حاولت وضع أول فستان حتى عجزت عن إخراجه من الجزء العلوي من جسدها! ظلت تتخبط وتتذمر ورفض الفستان أن يخرج بعدما اعتقل هناك، وكأنه فرح بمغادرته للدولاب وتحرر من طول الانتظار. أَحست بالاختناق. الفستان ضيق جدا غابت أناقته وجمالية تصميمه. صار مثل غل قيد عند إلقاء القبض عن المجرم.

قالت ماذا سأفعل يا إلهي؟ اليوم سأموت! إنني أختنق أكثر! ظلت تكابد لمدة حتى استطاعت إخراج يد واحدة. جلست على سريرها تحاول التنفس جيدا. ثم بدأت تحاول إخراج اليد الثانية، وكأن الفستان يرفض أن يفارقها! اشتاق بدوره للخروج ولقاء الناس. من هذا الذي لم يشتق لرؤية أحبائه في عهد الحجر والبؤس؟ نظرت إلى نفسها في المرآة كأنها تستنجد بها. لم تستطع الصبر أكثر. أصابها صداع شديد ورغبة في دخول الحمام! بحثت بين أغراضها عن مقص تقص به ذلك الثوب العنيد لتتحرر منه ومن الاختناق. أَحست بالحزن لأن ذلك الفستان له ذكرى جميلة بقلبها، وكذلك ثمنه باهض جدا. لم يعد هناك حل! إما قص الفستان وإما الاستسلام للموت اختناقا.

وجدت صعوبة في القص، فهي لم تكن تستطيع التحكم في يدها اليسرى. كلما قطعت قطعة من الفستان، سقطت على الأرض في صمت كَضحايا القصف حين الحرب. استغلت عملية اغتيال الفستان ساعات طويلة. كمن يتعلم الاغتيال لأول مرة. سيكون سهلا فعل ذلك فيما بعد. سيتعود الاغتيال بكل أنواعه وسيصبح شيئا اعتياديا. سَيستطيع النوم ليلا دون تأنيب الضمير. البداية هي الأصعب.

صار الفستان على الأرض كالجثة حين تقطع إربا إربا. مات الفستان مغتالا في عهد الحجر. أعادت كل ثيابها إلى الدولاب تفاديا لجرائم أخرى! لبست ثوب المنزل الفضفاض ووضعت عطرا، ثم قالت: لم أعد أحتاج أن أخرج! إلى أين سأذهب؟ إن لم أمت في عهد الحجر، سأموت من السمنة المفرطة.

خبأت المِرآة داخل الدولاب. قالت بحسرة: نامي أيتها المرآة إلى جانب الثياب المعلقة، إلى حين ينتهي عهد الحجر. لم أعد أَحتاجكم بحياتي. إن فتحت بابكم فاعلموا أن بابي المقفول قد فتح وانتهى الكابوس. وإن لم أفتحه فوداعا إلى يوم يلتقي كل الحشد.

Loading...