حرية الإساءة

0 34٬392

بقلم: سلوى الغرظاف/ فن سبور

حرية التعبير تعني عند البعض حرية إعطاء حق الإساءة للآخرين. حرية فيها تمرير خطابات الكراهية والبغض والتحريض على التمييز والعنف بطرق مستفزة ثم الإختباء وراء جدار عال يسمى حرية التعبير.

هل هذه الحرية معممة على الجميع أم أنها تخص المستعمرين وأسياد القوم فقط؟ هل هذه الحرية حق يمتلكه الجميع أم يمتلكه من يحكمون العالم. وحدهم لهم الحق في نشر العنصرية، في ازدراء الأديان، في الهجوم على جنسيات الناس، لباسهم، اعتقاداتهم بحجة أنها تدخل في باب حرية التعبير.

الأقوياء نادراً ما تفرض عليهم قيود في التعبير عن آرائهم. إن كانت هذه حرية،  فاتركوا الجميع يعبرون عن أفكارهم بطريقتهم  وعن وجهة نظرهم، ثم لِنَرَ هل هذا سيغير شيئا أم سيزيد من فتيل النيران. اتركوا الجميع يحلل ويعبر عن كل فكر يؤمن به دون محاسبة. وعن مهاجمة أشخاص دون معاقبة. وعن تشويه دين في صور مستفزة دون ردة فعل ودون تجريم حرمة المقدسات الدينية في أشخاصها، أو في اللعب وتحريف معاني كلام كتبها.

الأمور لا تمشي بهذه الطريقة. حرية التعبير لا تعتبر من الحريات المطلقة. فهل يحق لهم الإساءة ولا يَحق لنا ردة الفعل؟ هل يحق لهم التحدث ونظل نحن صامتين؟ هل يحق لهم التذليل والاستفزاز ونظل نحن بالضعف مُعترفين؟

ليس كل شيء نستطيع قوله حتى لو كان صوابا. ليس كل شيء يجب إعلامه للملأ حتى لو كنا نملك حرية التعبير.

حرية التعبير قد يستعملها الحاقدون ورقة قذرة للإساءة لمن يعنيهم الأمر. لكن هؤلاء الذين يؤمنون بأن التقليل من قيمة الآخر حرية، وهم في نفس الوقت يناضلون ضد العنصرية وضد التنمر، هم سياسيون كاذبون وفاشلون.

حرية التعبير في زمن المنابر الكثيرة والمفتوحة أصبحت تعطي فرصة لكل الحاقدين لنفث سموم ذلهم. تفتح لهم  بوابة يزجون فيها أفكارهم المريضة ومنطقهم الغريب لإهانة الآخرين بكل وقاحة.

ليست هناك حريات مطلقة. حتى الذين يعتبرون أنفسهم لهم القوة والسلطة في التعبير بكل حرية، تجد من ينتقدهم و يعاديهم عندما يكون الأمر فيه مساس بأشخاصهم ومصالحهم عن طريق قوانين على المقاص.

بالرغم من قساوة القول وحتى الفعل الذي يؤذي الآخرين، نظل نحن من نتحكم في ذاك الأذى. نحن من نتحكم في مشاعرنا وأفعالنا وأقوالنا. ليست الإهانة تعنينا ما دمنا نؤمن أننا على حق وعلى صواب. والذي يعادي مقدسات الغير هو شخص مريض يحاول استفزازك وكأنه طفل صغير حين يغيض رفاقه ماكرا. حرية التعبير في الإساءة لا طالما حطمت قلوبا وشتتت بيوتا وأحبطت نفوسا من شدة قساوتها ووقاحتها.

حين نقرر أن نعطي رأيا في فكر أو شخص أو معتقد، لنراعي فيه واجب الاحترام. فقد كثرت ألسنة العيب والعار بزماننا اللعين. صار الجميع قضاة ينزلون أحكاما بأشغال شاقة فيها تعذيب وتدمير لروح الإنسان. حين تأتينا فرصة لممارسة حرية التعبير لنتذكر أنه لا يحق لنا الإساءة للأشخاص في مقدساتهم مختبئين في أنها حرية مناقشة الأفكار.

القوانين الدولية ذاتها لم تقدم الحماية المطلوبة لحرية الإساءة، كجزء لا ينفصل عن حرية التعبير. أن تكون هناك حرية للتعبير بلا حدود وبلا قوانين، معناه إعطاء  حق الإساءة واستفزاز الأفكار السائدة. معظم الدول رفضت الاعتراف بمصطلح ازدراء الأديان. ومنحت حق نقد المعتقدات والأشخاص والأفكار الدينية أو غيرها والسخرية منها.

الاستهزاء بالمقدسات أو غيرها تدخل في إطار حرية الاستفزاز وبالتالي هي تحريض على العنف والكراهية والعنصرية والتمييز. وهذا ما قد يرفضه الأغلبية من جميع الأجناس، لو هم يملكون كيانا يفكر على المستوى الإنساني، الأخلاقي، والإجتماعي.

الفيلسوف الدنماركي”سورين كيركغارد”  قال: “الناس تطالب بحرية التعبير كتعويض عن حرية الفكر التي نادرا ما تستخدم.” وقال أيضا “كم عابثون هم الناس! هم لا يستخدمون أبدا ما لديهم من حريات، ويطالبون بما ليس لديهم منها، هم لديهم حرية الفكر، ويطالبون بحرية التعبير.”

فحرية الشخص في التعبير ليست بالضرورة أن تنتهك حرية الآخر بالإساءة إليه. حرية التعبير هي مسؤولية وتصبح في بعض  الأمور مؤذية. لو مارس كل واحد منا حريته في التعبير، لَسمِعنا إساءة لا تخطر على بال أحد، ولا تتحملها أذن حتى من أقرب الناس.

التوازن والحدود ومراعاة الآخرين في التعامل مع الحريات هم من سيحمينا من ضرر الإساءة، وسَيحد من انتشار الحقد، العنصرية، والتمييز، وانتهاك حقوق ومقدسات الآخرين.

 

Loading...