حمار وضباع

0 38٬827

 

 

بقلم: سلوى الغرظاف/ فن سبور

وقف الضبع على باب الغابة ووضع رفاقه حرسا على كل مداخلها. أصدر قرارا بمنع الدخول أو الخروج من الغابة إلا بعد إثبات هویة كل واحد. والتأكد إن كان قد قام بما طُلب منه كي یبقى ضمن سكان الغابة.

احتج بعض حیوانات الغابة على هذه القرارات المؤذیة والمذلة. رفعوا شكایة على انتهاك حقوقهم وسلبهم حریتهم.

رغم هذا وذاك، لم یتراجع الضباع عن أوامرهم وأصروا على وجوب قطع جزء من لسان كل مقیم بالغابة، لیمكنه العبور.

وهكذا سیسهل معرفة من هم حیوانات الغابة الأصلیون.

ظلت التظاهرات تندد بذاك القرار الغریب وبذاك الاستعباد.

وتكون فریقان بین رافض ومرحب بالقرار.

بینما الضباع كانت تحرس الأبواب، قدم حمار محاولا دخول الغابة. أوقفه الضباع ومنعوه من الدخول حتى یثبت هویته.

صار ینهق غاضبا ثم قال لهم: كیف تمنعوني من دخول بیتي؟ إنها غابتي هل جننتم؟

. أجابه أحدهم: هیا افتح فمك لنتأكد من هویتك!

. قال الحمار: هل تستهزؤون مني أم ماذا؟ كیف أفتح فمي لكم ما هذا الهراء؟

. أجابه الضبع: هل أنت تعیش هنا فعلا؟ أم أنك غریب یقتحم الغابة؟ اسمع أیها الحمار، إننا لا نملك وقتا نضیعه معك!

. أجاب الحمار: ولا حتى أنا! هیا أوسعوا الطریق لأمر! وهل عدنا نحتاج لإثبات حتى ندخل بیوتنا؟ كنت أظن أن العبودیة منتشرة عند الإنسان فقط. فها هي عدواها تصلنا نحن الحیوانات أیضا.

 

. قال الضبع مخرجا عینیه: یا لك من حمار لا یفهم! لو كنت غیر ذلك ما كنت لتعارض أوامرنا. إنها صُِّ ممت للحفاظ على سلامتك وسلامة أهل غابتنا.

. ضحك الحمار ثم قال: واﷲ إنكم مضحكون. صرتم تُحبوننا وتَخافون علینا. صارت تهمكم مصلحتنا وراحتنا. من أین أتیتم بهذه الكذبة؟

. تضایق الضبع من عناد الحمار قائلا:  لقد أُصدر قرار بحمایة أهل الغابة جمیعهم من كل أذى. وذلك بقطع جزء من اللسان. حیث في كل مرة تدخل أو تخرج علیك إثبات هویتك، وانتسابك لهذه الغابة. وأیضا هذا سیسهل عبورك من مدخل الغابة. علیك أن تفتح فمك لنعرف ما إن كان لسانك قطع منه ذلك الجزء أم لا!

. اندهش الحمار من كلامه ثم قال: لقد خرجت من الغابة لأزور أمي المریضة، وكان سفرا طویلا ومتعبا. ولا یحق لكم منعي ما دمت مقیما هنا. لا یحق لكم تقریر مصیري، وتحدید نوع الحیاة التي أرید أن أعیش! هل تریدون التحكم في جسدي؟ لربما غدا قد تمنعونا من الكلام ویصبح قرارا هو الآخر لا رجعة فیه! ربما غدا تحرمونا من أهالینا وأبنائنا ونصبح لا نملك شیئا! ربما غدا تَأسِروننا في بیوتنا بحجة مصلحتنا!

وأخشى أن نُسجن بأَسِرتنا ونصبح سكانا معاقین نرى ولا نقوى أن نتكلم، أو نتحرك، أو نفعل شیئا لنغیر به هذا الواقع المریر.

إنكم تریدون حیوانات أغبیاء، أفواههم مفتوحة، ولعابهم یسیل.

عیونهم جاحظة لا تبصر ولا تفرق الحق من الباطل.

. أطال الضبع التدقیق في وجه الحمار ثم قال: حتى لو فهمت القصد، علیك أن تخضع لقرارات من یحكمون الغابة، وإلا ستظل على هذه الباب تنتظر… حتى تموت.

بدأ الحمار یفهم أنهم یعرفون ماذا یفعلون، بینما هو یجهل ما یحدث ولماذا یخططون. بدأ یغیر من حدة كلامه. أدرك أنه مغلوب على أمره. لم یكن لضعیف من قبل أن یغلب قویا إلا في الحكایات والخرافات. لم یكن لضعیف أن یغلب إلا حین یتَقوّى.

لم یكن أمامه حل آخر. فكّر ملیا ثم قرر أن یعلن استسلامه لهم، لكن بشرط أن یدخل الغابة أولا، ثم التأكد ما إن كان الجمیع قد قطع جزء من لسانه.

. ظل صامتا ثم قال لهم: وماذا علیكم أنتم، افتحوا أفوامكم لأرى أنكم أنتم أیضا خضعتم للقرار بكل أمانة وضمیر!

ظلت الضباع تتبادل النظرات فیما بینها. احتارت بماذا تجیب؟ لكن أحدهم قال له: سنقطع بدورنا حین ننتهي من سكان الغابة.

أجاب الحمار: ولكن هذا لیس بقرار صائب. المفروض أن تكونوا أنتم أول المتطوعین، وأول من یقطعوا ذلك الجزء من لسانهم!

. قال ضبع: سنفعل نحن أیضا لاحقا! إسمع أیها الحمار، سنسمح لك بدخول الغابة شرط أن تعدنا بإقناع باقي السكان بتنفیذ القرار! إننا نسهر على راحتكم ونحن هنا من أجل خدمتكم!

. رد الحمار قائلا: دعوني أدخل الغابة، فعائلتي تنتظرني، وسأفعل ما تریدون. سَأقنعهم بكلامكم هذا، وعلى ذمتكم تحاسبون.

. قالوا جمیعهم: اتفقنا أیها الحمار. لا نرید لسكان الغابة أن یكونوا أغبیاء، وضد مصلحتهم!

. التقى الحمار بكل المعارضین لقرار الضباع. حاولوا جمیعهم إقناع مناصري القرار، بالتراجع عنه لأنه ضد حقهم في العیش بكرامة. لا یحق لمخلوق العبث بأي جزء من جسد الآخرین.

لكنهم ظلوا متمسكین برأیهم وبأن القرار فیه مصلحة سكان الغابة. حاولوا هنا وهناك وبكل الطرق حتى یقنعونهم أن قطع جزء من لسانهم ما هو إلا البدایة لكوارث أخرى أبشع وأذل.

فمن یرغب العیش في أمان دون أن یؤذیه أحد، لن یتحقق إلا برفض التحكم في الحریات الخاصة ورفض الاستعباد. ظل المؤیدون للقرار یهاجمونهم، و یعدونهم بالقتل والدمار. فازداد علیهم الخناق وضاق السبیل للتفاهم مع ذوي الرؤیة المحدودة للأشیاء.

قرر الحمار ومن معه إشعال النیران في الغابة. كان الحل الوحید لمن یرفض رؤیة الحقیقة واضحة. لمن یفكر بنفسه ولا یهمه الآخرون. صارت الغابة جمرة حمراء.  تمكن المعارضون الخروج من الغابة بینما ظل الباقي یصارع النیران. فعندما طغى الظلم كثیرا، كانت الغابة تحتاج لمن یطفيء نیرانها ویشعل الحیاة فیها من جدید. إجبار الحیوانات على الاستسلام للاستعباد، هو خلق نوع جدید من العبید في زمن العبودیة المتطورة. هو حرمان تام من الحق في العیش بكرامة، والموت أیضا بكرامة.

 

ما نراه ونسمعه ویقال لنا لا یعني الحقیقة المطلقة. بل ما لا نعلمه وما یخفونه ولا یخبروننا به قد یكون هو الحقیقة.

 

Loading...