………خرفان وعشب…….

0 56٬638

خرفان وعشب

بقلم: سلوى الغرظاف/ فن سبور

كانت الخرفان ترعى بالمراعي الخضراء، تأكل العشب الأخضر الطازج. طعام الأغنام لا يحتاج التوابل ولا أن تضاف له النكهات، ولا أن يخزن بالثلاجات ليطول عمره للاستهلاك. كانت الأغنام تركض، وتأكل فَرِحة بالحياة السعيدة، لا تحلم بالغد، ولا بالمستقبل الجميل. تأكل وتنام راضية، وتستيقظ في الغد لترعى ضمن فريق الأغنام في سلام. كان الراعي شديد العداوة مع جاره ومنافسه في التجارة والفلاحة. لم يقنع جاره بما لديه، كان يضايقه،رافضا أن يقنع برزقه، وأن ينشغل بتطوير نفسه وحال أغنامه. ظل يختلق المشاكل لِيقنط ذلك الراعي، ويستسلم أمام نوايا جاره الخبيثة، فيحني رأسه في ضعف وحسرة، ثم يرحل. الراعي لم يكن جبانا، فضل المواجهة والموت من أجل حماية خرفانه من الطاغي اللئيم. 

إستيقظ  كل أهل القرية على خبر انتشار العشب السام، عشب مليء بالحشرات السامة القاتلة. من يأكل من العشب الذي بالأرض، يسقط قتيلا، شهيد لقمة العيش. لم يتحمل الراعي ذلك الخبر. ظل يمشي ببيته كالمجنون يكلم نفسه، ويتساءل عن حال أغنامه. انتابه الخوف من أخذ الخرفان للمرعى. خاف أن تموت أغنامه، فيصيبه الإفلاس من جراء هذه الحشرات الكاسرة. كيف جاءت إلى هنا؟ ما العمل يا إلهي؟ 

حاول تفقد الأمر بنفسه، والخروج للبحث عن الحقيقة. ظل يسأل كل شخص يصادفه في الطريق الطويل. وكان الجواب يزيد من هلعه وقلقه. الكل أخبره أن العشب قاتل، به حشرات سامة ما إن تدخل الفم حتى تخنق تنفس الخرفان حتى الموت. ظل تائها في الطريق يسأل ويبحث. هناك من قال له بأن العشب يقتل حتى الإنسان، وهناك من قال له بأن هذا عقاب من الله، ومنهم من قال له بأن عليه أن يرحل من القرية. الحشرات ستدمر الإنسان والأغنام. ستأكل العظام وتشوه الجثث. ارحل لمكان أخر. أنا أشتري منك البيت والأرض والأغنام.

عاد الراعي لبيته. فكره مستيقظ يرفض النوم. من أين سيبدأ هذا القدر؟ هذا الألم؟ كيف يرحل وهو لم يفارق قريته من قبل قط؟ كيف يترك خلفه أصله وجذوره؟ كيف سيبدأ حياة جديدة بأرض ليست له؟ سيظل غريبا بها؟ مهما حاول أن يندمج فيها، سيظل ذلك المهاجر الهارب من ظرف ما، حالة ضعف ، أو حتى محاولة لتغيير الحال؟ لا يهم السبب، النهاية أنه سيفارق أرضه وبيته، و خرفانه، هروبا من الحشرات السامة القاتلة. 

ظل بداخله رفْض قوي للفكرة. لا يمكن لهذا الهجوم أن يأتي على حين غفلة بدون سابق إنذار. هكذا على غفلة تأتي جيوش تطردنا من منازلنا، وتجعلنا ضيوفا بأراضي غيرنا بعدما كنا ملوكا ببيوتنا. قرر باليوم الموالي التأكد أكثر من صحة الخبر. لم يعهد على نفسه أن صدق قولا، لا سلطة له عليه ولا يعرف منبعه ولا صحته. لم يكن ممن يقبلون الأخبار بسذاجتها وغبائها، لتصبح كابوسا يفسد سلاسة حياته البسيطة، لمجرد تفشي صيتها بين الناس. 

مر بالمرعى فوجده مخضرا وطريا. بدأ يأخذ عينات من العشب الأخضر ويضعه بأكياس مختلفة، كل مسافة الطريق، يقطع قليلا ويضعه بالكيس. ذهب نحو المتخصصين في المجال الفلاحي لتحليل العشب والتأكد من تلك الحشرات القاتلة التي لا ترى بالعين المجردة لكنها مدمرة. انتظر نتيجة التحاليل حتى صباح الغد. كان يقف على باب المكتب قبل وصول الموظفين فيه. أخذ التحاليل بعدما فسر له المتخصص في ذلك أن العشب صالح حتى لأكل البشر، ومفيد للخرفان. حمد الله أنه لم يستسلم للغباء والخوف. حمد الله أنه تمكن من علاج الأمر بكثير من العقلانية والثبات. 

عاد إلى القرية مرتاحا. بدأ يسأل نفس الأسئلة لكل المارين بطريقه. فكان نفس الجواب، العشب به حشرات قاتلة وقد وجدوا كثيرا من الخرفان الميتة ببعض المراعي القريبة منه. حاول أن يغير المعلومة الخاطئة بأخرى صحيحة. حاول أن يقنعهم  بأن هذا كذب وبهتان؛ لكنهم تركوه وانصرفوا. وصل إلى بيته، ثم قام بإخراج خرفانه إلى المرعى. ترك أغنامه تتسابق نحو الكلأ، تأكل من هنا وهناك  بكل براءة وبساطة. كان ينتظر من يأتي ليحذره من تمرده على خبر انتشار الحشرات القاتلة. يحاول التحري ومحاولة معرفة منبع الخبر. من له المصلحة في تدمير القرية ونشر الخوف والرعب فيها؟ لماذا كل الناس ينطقون نفس الكلام وبنفس الصيغة دون تحليل؟ فجأة حضر الجار اللئيم نحو الراعي يصرخ ويولول، 

ـ من سمح لك بإخراج الأغنام إلى المرعى؟ سيتبعك باقي الرعاة وستموت كل الأغنام التي في القرية. 

ـ ومن أخبرك أن العشب به حشرات قاتلة؟

ـ أنا أخبرك الآن، ما المزعج في هذا؟

ـ المزعج أنك غبي وتظن أن كل الناس أغبياء مثلك. إسمعوا جميعكم يا أهل القرية. من ينشر إشاعات كاذبة وينشر الخوف والرعب، سَأبلغ عنه الشرطة وسَيُحكم عليه بالسجن. كل من أخذ المال لتشويش الناس هم أيضا سيدخلون السجن. ها قد أَعلمتكم وقد أعذر من أنذر. 

بدت علامات الخوف على ملامح الجار. عيناه تضيقان وتنفتحان كأنه يبحث عن مخرج ينجو منه ويهرب من ذاك الجمع الغفير. بعدما احتشد كل أهل القرية حول مرعى الراعي، بدأ الجار يتراجع للوراء حتى انطلق مسرعا هاربا من الموقف. 

بدأ الراعي يضحك ويقول لأهل القرية “ها أنتم شَاهدون أن جَاري هو من نشر تلك الأخبار الكاذبة بيننا. حاول أن يخرجني من القرية كالمجنون لِيستحوذ على أغنامي، بيتي، وأرضي. كونوا حذرين يا أهل القرية. فليس كل شيخ إنسان صالح. وليس كل نضال هو دفاع عن فكر حر. وليس كل ما يقال لنا ونسمعه حقيقة تصدق. الغباء ليس مكتوب وقدر. بل نحن من نقبل أن يكون الغباء ردائنا، والشياطين أسيادنا”.

 

Loading...