كفى من الطفولة المغتصبة

0 59٬371

بقلم : سلوى الغرظاف / فن سبور

كيف يمكن أن نحمي أطفالنا أو نقلل من تعرضهم للإغتصاب؟ من هي الفئة الأكثر تعرضا لهذه الآفة؟ في غالب الأحيان من يتعرضون للإغتصاب هم من الفئة الضعيفة أو المتوسطة. لا يحدث الإغتصاب طبعا لأطفال الأثرياء وذوي السلطة في البلاد.

هل يرجع ذلك إلى انعدام الأخلاق والتربية؟ إلى الفراغ الروحي؟ إلى أسلوب العيش العشوائي الموروث الذي لم يعد صالحا لهذا الزمن؟ أم أن الثقة العمياء في القريب والغريب، في ترك أطفالنا دون المراقبة الدائمة لهم، أم أن عدم تحليل سلوكهم أو أي تغير في حياتهم هو السبب؟

في مجتمعاتنا نشعر بالضيق من ملازمة الأطفال في كل الأوقات مقارنة لمجتمعات أخرى. نجهل ثقافة التحدث معهم والإنصات لهم. ننشغل بتنظيف البيت وإعداد الطعام. ننشغل بالزيارات للأهل والأصدقاء. ننشغل باستخدام المواقع الإجتماعية والمكالمات الهاتفية. كل هذا يجعلك تغفل عن أطفالك وعن تصرفاتهم. ما قد يدفعك لترك أطفالك يلعبون خارج البيت أو ببيت الجيران. كل هذا لنرتاح منهم ، من ضجيجهم، ومن إفساد البيت المرتب.

اليوم نحتاج لتغيير بعضا من سلوكياتنا، لتفادي ما نراه من صور الاستغلال لأطفالنا. أن نتخلص من عناق وتقبيل الكبير والصغير، القريب والبعيد، أن نتخلص من فكرة أن الأطفال الصغار لا يفهمون ولا يتأثرون مثلهم مثل الكبار. أن نُعلم أطفالنا حرمة الجسد والحفاظ عليه من أي ذئب خائن، وأن لمسه من القريب أو الغريب شيء غير عادي، غير محمود وليس مقبولا ولا مسموحا به. أن نُعودهم على الكلام والحوار في كل المواضيع مهما كانت تافهة لكم، أو مهما كانت محرجة.

إننا مجتمع يمل من ثرثرة الأطفال، ونظن أن الطفل لا يملك إحساسا أو عقلا يستحق الإحترام. نقمع الطفل ونكسر مجاذيفه قبل أن يبدأ الرحلة، نَحرِمه متعة الوصول بعزة وفخر .

كيف نتخلص من تكذيب أطفالنا حتى وإن كانوا يكذبون؟ حين سيكون طفلك صادقا معك في حالة يحتاج إليك ستظنه يكذب وهذا أخطر ما في الأمر. أطفالنا بحاجة للإحساس بالثقة في النفس وبِأنهم محبوبون ومرغوب فيهم؛ بأن وجودهم مهم في حياتنا كي لا يَتربَّوا على الخوف ويشعرون بأنهم ثقل وعلى الهامش.

إن لم يجد الطفل الحب والرعاية في كنف والديه، إن لم يجد الاهتمام الكافي سيلتزم الصمت بعد الإعتداء عليه. سَيُستغل ضعفه ممن يبحثون عن هذا النوع من الأطفال لِسهولتهم في الانسياق. المغتصبون هم شياطين ومرضى موجودون بكل المجتمعات وفي كل الأوطان. الفرق يكمن في الأسلوب الذي يعالج به الموضوع، في شكل العقوبة على المتهم، وفي مدى قيمة الأطفال بذاك المجتمع. حتى المغتصب كان يوما طفلا صغيرا وربما بريئا. لكن لا نعلم من كان السبب في تحوله لمجرم. الطفولة المغتصبة حقوقها، سواء جنسيا أو صحيا أو تعليميا، هي من تلجأ للإغتصاب حين الرشد. الطفولة المهملة المهمشة هي من تتحول إلى وحش كاسر، إلى مغتصبين، مدمنين، قتلة و مخربين. مهما حاولنا قطع دابرهم من المجتمع لن نستطيع. لكن نستطيع تعليم أطفالنا الحذر وعدم الثقة في أي شخص حفاظا عن النفس في زمن المخلوقات المريضة. نستطيع أن نرعى أطفالنا و نوفر لهم الآمان.

كفى من لوم المجتمع وحده. بل علينا لوم أنفسنا أولا. المجتمع هو نحن، هو أنا وأنت. هو البشر باختلاف أفكاره وأخلاقه وأهدافه.

نحن بزمن وكأن الأطفال لم يعد لهم الحق في اللعب خارج البيت مع أولاد الجيران. الكلاب الضالة تهاجمهم في كل مكان. الناس قد ترى أشخاصا يستغلون أطفالا ولا يتكلمون. يعتدون عليهم يستغلونهم ولا يفعلون شيئا. علينا أن نغير نمط العيش وطريقة التعامل مع هذا النوع من البشر. علينا أن نتعلم كيف نلاحظ وكيف نحلل وكيف نفسر. علينا أن نُشغل أطفالنا بما يفيدهم. علينا أن نعرف كل تحركاتهم وأصدقائهم وآباء أصدقائهم؛ وكذا الجو الذي يعيش فيه ذلك الصديق إن كان في بيئة مستقرة أم في بيئة مملوءة بالمشاكل والفوضى.

علينا ألا نخجل من مواجهة الشر الذي قد يصيبنا وألا نقبل بالصبر على ما يؤذينا. علينا أن نقتنع أننا نحن من نختار قدرنا بأيدينا وأن كل ما يؤذينا فيه جزء من إهمالنا وغياب بُعد نظر لأخطائنا. علينا أن ننشر الوعي بالمدارس وهذا دور التعليم. يجب أن تكون دردشة المعلمين والمعلمات مع تلامذتهم مليئة بالرسائل الغير مباشرة  في كيفية حماية النفس من الخطر بشكل يعطي للطفل راحة أكثر في تقبل الإرشاد والنصيحة.

كلمة” الله يسامح” لا تصلح حتى في المشاكل البسيطة. إنها تشجع على التمادي في الخطأ. لو كان كل شخص لا يتنازل عن حقه مهما كلفه الأمر، ما كان المجرمون ليصطادوا فريسة تلو الأخرى.

على الآباء الاهتمام بأطفالهم حتى لا يرهقوا المجتمع بشباب مريض يؤذي أطفال من تعبوا من أجل الحفاظ عليهم. وعلى الدولة الحزم في إنزال العقوبات وإغلاق أفواه المدافعين عن حقوق المجرمين.

على الأسر أن تقلل من اللقاءات العائلية والأصدقاء ليكون لهم الوقت الكافي للإقتراب من أطفالهم، لفَهْم طباعهم، ونقط ضعفهم. كثرة اللقاءات تضفي على الحياة نوع من الفوضى التي قد تفقد الآباء التركيز على البيت والأولاد.

البيت المليء بالحب والرعاية، الغني بالعطاء والكرامة، حتى إن كان فقيرا، سيخرج منه أعظم النساء والرجال. تربية الأطفال ليست مجرد توفير أكل وشرب ولباس بل هي توجيه واهتمام، رعاية ومنح الأمان قدر المستطاع.

تربية طفل في زمن المغتصبين  مثل خوض حرب ضد عدو، تحتاج لليقظة وللسلاح. تربية طفل في غياب العدالة والأخلاق مثل بيت بلا نوافذ ولا باب تترقب في كل لحظة هجوم قطاع الطرق وسرقة براءة طفلك وابتسامته من بين يديك بعدما حاولت تأمين نومه على سريره الدافئ في فصل الشتاء.

انتفضوا من مكانكم أيها الآباء واستعدوا للحرب ضد مغتصبي الطفولة. ضد مغتصبي حقهم في اللعب مع أولاد الجيران في راحة وأمان. ضد من يريدون طفلا سجينا في بيته بلا أصدقاء ولا ذكريات طفولة جميلة. ضد من زرعوا الخوف في قلوب الآباء وانتهكوا إنسانية الإنسان. ضد من يحرمون الأطفال الانغماس في اللعب دون الالتفات حول نفسهم بين الفينة والأخرى. فتضيع عليهم حلاوة المرح من شدة الحذر من هجوم مفاجئ. انتفضوا من مكانكم  وكونوا حرسا لبيوتكم  وأطفالكم. علموا أطفالكم فنون الحرب وعدم تصديق أي كان، قريبا أم بعيدا، لتفادي النهايات المؤلمة. تربية طفل تحتاج لإعادة ترتيب المفاهيم والأولويات.ا تربية طفل هي إنجاز عظيم  يستحق عليه الآباء لقب العظماء. تربية طفل معناه إنشاء إنسان صالح لكل مكان وزمان.

أيها الوطن إن أردت خيرا بأطفالنا احمي أجسادهم من مخالب الوحوش واحمي ظهورهم من غدر المغتصبين. وإن أردت بأطفالنا جحيما فإننا نعيش فيه. كفى! لا نريد منه المزيد.

Loading...