لماذا عُدتَ؟

0 32٬912

 

بقلم: سلوى الغرظاف/ فن سبور

 

لقد عاد بعدما تعودت بُعده. بعدما ظنت أنه لن يعود. بعدما نسيت ملامحه وتفاصيل وجهه. بعدما تصدقت ببقاياه من ملابس وكتب وأحذية بها شكل قدميه.

ظنت أنه لن يعود بعد هذا النسيان الطويل. بعد انقطاع صدى صوته من أذنيها. تيقنت أنه لن يعود، بعدما لم تعد تراه بأحلامها حين النوم العميق. ولم تعد تبكي كلما مر شريط الذكريات فلا تحزن ولا تشعر بالحنين.

لقد عاد على غفلة وقد تعودت بُعده. تعودت أن يظل فنجانها الفارغ بنفس المكان. أن تعيش الفوضى ببيتها بدون عتابه. تعودت أن تنام وتستيقظ دون الشعور بشوقه.

التعود على غيابه لا يعني أنها لا تريد رجوعه. هي اليوم أكثر حزنا من وقت غيابه. أكثر غضبا وألما وضعفا أمام لقائه. كانت تعيش على أنه فقط نسيها وربما هو بخير. من حقه أن يحقق طموحه بمكان آخر. فليست كل الأماكن تتحقق بها الأمنيات. ليست كل الأماكن تحترم الأمنيات وتساعد على تحقيقها. إن قُربهم من بعض لا يعني الحب، ولا يعني أنها قادرة على إسعاده، أو هو قادر على إسعادها.

لم تتوقع أن يعود راكبا الأمواج. لم يكن يعرف السباحة في الوادي ليسبح في البحر بأمواجه الهائجة. لم تتوقع أن يعود نائما بعدما ذهب مستيقظا، مبتسما، خائفا لكنه كان متفائلا.

لم عدت ما دمت نائما؟ لم عدت وفي العودة كسر لقلوب المستيقظين؟ لم عدت وأنت تعرف أنني ثرثارة وأحب إعادة الكلام لك. أحب أن أحكي تفاصيل يومي، تعبي من صعوبة جمع لقمة العيش العنيدة.

نظرت إليه عابسة ثم قالت: هل تظن بحالتك هذه ستسمعني؟ هل لا زلت على عهدك وأنك ستحقق كل وعودك لي؟ هل تتذكر وعدك الأول؟ سأذكرك به لا تبالي. قلت لي: سأبني لك بيتا كبيرا بدل هذا الكوخ الصغير. هل تعرف أنه بفصل الشتاء هذا  كل السقف عاد يؤنس وحدتي ويعزف موسيقى بلا آلات موسيقية؟ عازفون موهوبون! وحتى النوافذ كانت تتخاصم مع بعضها البعض، فتقضي الليل بكامله تصفع أبواب بعضها وأظل بمكاني لا أقوى على فعل شيء. أتابع المشهد الخرافي وأصفق لتأثير المشهد الدرامي. وأبكي بشدة كيف يتحمل الناس النوم تحت قصف قطرات الماء. كيف يتحملون ذلك الصوت المزعج وكأنه صوت رصاص مسموم.

لم أخبرك أنه بالصباح علي تنظيف الكوخ من ضحايا قصف الليل. فالسقف لم يعد يتحمل تقلبات الطقس ولا هجوم الشتاء. كنت بدونك أتمنى أن يُلغى فصل الشتاء من قاموس الطقس بالنسبة للفقراء مثلنا. بيوتنا هشة مريضة لا تقوى على زخات المطر وإبداعاته. المطر يبدو جميلا بالبيوت الفاخرة والنوافذ الزجاجية والغرف ذات المدفأة.

أعرف جوابك وغضبك كل شتاء! ستقول لي: إنه مشكل الدولة وإهمالها المستمر للبسطاء. نعم، فعلا، أنت محق. إنهم لا يشعرون بالفقير. فمن لا يشعر بالجوع يظن الجميع بطونهم شبعانة وممتلئة. من لا يشعر بالبرد يظن الجميع بيوتهم دافئة. من لا يشعر بالحاجة يظن الجميع غير محتاج. وحتى لو يرى صورا للحقيقة يظل يظنها صورا غير حقيقية. أو ربما يتظاهر برفضها لأنها غير واقعية. يظنها كذبة لسرقة المال الخاص.

هل تذكر وعدك الثاني لي؟ هل تذكر حين أخبرتني أنك ستأخذني لأشهر الأماكن والمطاعم؟ لم تنسى يوم منعونا من دخول ذلك المطعم لأننا لسنا من مستوى زبائنهم. لم نكن نلبس مثلهم ولا نتكلم مثلهم. كنا بسطاء جدا وكنا قد جمعنا ذلك المبلغ بشق الأنفس لنحقق حلمنا بأكل وجبة من ذلك المطعم المشهور.

ووعدك الثالث كان أن نتصدق ببعض المال لمن يحتاج. نشكر به الله على تحقيق أحلامنا كلها. ووعدك الرابع أن تأخذ أمك إلى حج بيت الله، فهي من ربتك وإخوتك بعد موت أبيك بمرض لم تستطع أن تعالجه منه. المستشفيات لا تحتوي على أسرة مجانية للفقراء ولا تحتوي على الدم لمن ينزف من تأثير المرض. حتى الدم يُباع كما تباع المواد الغذائية. إن لم تجد فصيلة دمك تموت بلا أدنى تأنيب ضمير.

ووعدك الخامس أن نفرح بطفل في حياتنا ونسميه على إسم أبيك ونربيه تربية حسنة ومستقرة بعيدا عن جحيم ما عشناه. هل أكتفي بهذه الوعود أم أكمل؟ قلت لك أنني ثرثارة ووحدك من يسمعني ولا يقمع أحاديثي من الانطلاق بحرية وبدون خوف من خلفية الكلام الكثير.

لماذا عدت هكذا؟ لماذا عدت مثقلا بكل هذه الهدايا، وبِفانوس تحقيق الأحلام. لماذا عدت هادئا و مرتاحا؟ كنت قد تعودت غيابك، وأبدا لم أكرهك. تمنيت لو بقيت هنالك وحققت ما ذهبت من أجله. تمنيت لو بقيت مُتحمسا و صامدا. هل اغتالتك الأمواج  وغدرت ظهرك في الظلام؟ هل كان الموج غاضبا لم يشبع من اغتيال مزيد من الأجساد؟ هل كان متمردا على القوارب التي تحمل أَرواحا معلقة في الهواء؟ هل كنت تعلم أن النهاية ستكون جسدا لم يبق منه سوى صورة ممزقة بلا ملامح وبلا أحلام. لماذا عدت منهزما؟  فقد أيقظت جرحا ملتهبا بنار الشوق. أعدت شُعورا بالسخط على القوارب والأمواج وسوء الأوضاع.

Loading...