مسلسل “تشرنوبيل”يثير غضب الروس {وماذ أخفوا عنا أيضا؟}..هذا السؤال ربما ستسأله لنفسك

0 113

“وماذ أخفوا عنا أيضا؟” هذا السؤال ربما ستسأله لنفسك بعد الانتهاء من مشاهدة مسلسل “تشرنوبيل”، عن كل الأحداث السياسية والحروب والضحايا والكوارث التي تغلق ملفاتها أو تبقى مفتوحة على المجهول وتعدد الروايات، وما علينا، نحن البسطاء، سوى أن “نقنع أنفسنا بالقصص” كما يقال في مقدمة المسلسل.

وبغض النظر عن أن المسلسل هو الرواية الأميركية لانفجار المفاعل النووي وأسبابه وتداعياته، والغضب الروسي من هذه الرواية، والذي دفعهم للاستعداد لإنتاج مسلسل عن الحدث نفسه من وجهة نظر أخرى، فان “تشرنوبيل” ينفجر مرة أخرى بتساؤلات عن السلطة وثمن الأكاذيب ومصائر البشر وتضليلهم وتجييش مشاعرهم واستنهاض ولاءاتهم لحماية حزب أو سلطة، والموت من أجل حماية صورتها المزيفة.

المسلسل الذي أنتجته شبكة “إتش بي أو” الأميركية، بالشراكة مع شبكة “سكاي” البريطانية، مكون من خمس حلقات يقارب زمن كل حلقة منها الساعة، ويحكي قصة انفجار المفاعل النووي في أوكرانيا عام 1986، أيام الاتحاد السوفيتي وحكم غورباتشوف، ويستعين بما كتبته سفيتلانا أليكسييفيتش الحائزة جائزة نوبل في كتابها “أصوات من تشيرنوبيل” وقصص السكان المحليين، ويروي عملية “التنظيف” الكبرى التي قامت بها الحكومة السوفيتية آنذاك للحد من النتائج الكارثية للانفجار والتعتيم على ما حدث، ثم استعانتها بدول العالم مضطرة ومتنازلة عن كبريائها كزعيم للكتلة الشيوعية، واضطرارها للاعتراف بفشل تكنولوجيتها النووية.

قسوة الصمت

يبدأ المسلسل من انتحار العالم فاليري ليخاسوف (جاريد هاريس) بعد تركه شرائط تسجيل تروي ما حدث، ويتوالى سرد الكارثة عبر الحلقات لتنتهي بمحاكمة المسببين لها، ثم انقلاب ليخاسوف على السيناريو المتفق عليه في المحكمة وبوحه بالحقيقة أمام العلماء الحاضرين.

كتب المسلسل كريج مازن وأخرجه يوهان رينك، ورغم أن الممثلين ليسوا روسيين بل بريطانيين وأميركيين يتحدثون الانكليزية، بل وبلكنة بريطانية أحيانا، فانك كمشاهد لا تشعر أن اللغة تخرجك من الجو العام للأحداث في المدن الروسية التي اشتغل المخرج على أن تترك أثرا ذهنيا بالصمت والانطواء والبرودة، فالشوارع غالبا فارغة والبنايات شاهقة بلا أثر لحياة أو صخب، والمستشفيات والمؤسسات الرسمية لا تسمع فيها إلا صوت حذاء من يمشي في ممراتها، التي تشعرك أن هناك شيئا مخفيا وغامضا.

واعتنى رينك كثيرا بالتفاصيل مثل “طفايات” السجائر والتلفونات التي كلما رنت استشعر المشاهد قسوة الصمت وسوداوية الواقع الذي اكتمل بالموسيقى التصويرية التي وضعتها هيلدر غونودوتر، وكانت عبارة عن أصوات الطبيعة وصرير الأبواب ورنين المعادن وأصوات واقعية أخرى، سجلتها ثم ركبتها على المشاهد.

المسلسل يمكن أن يرقى إلى درجة مسلسل رعب نفسي، يخيفك بما كان يمكن أن يحدث لو لم يتحدث أحدثهم للحكومة السوفيتية عن حجم الكارثة الحقيقي، ويرعبك بمنظر الطلاب الذين يذهبون إلى المدرسة ضاحكين والأمهات اللواتي يدفعن عربات أطفالهن بملامح مطمئنة، والمراقبين لمنظر الانفجار من على الجسر وذرات التراب الملوثة بالإشعاع القاتل حولهم، بمعنى أن تكون مطمئنا ولا يخبرك أحدهم أنك ميت لا محالة من إشعاعات المفاعل!.

تحية للعلماء

كريج مازن كتب تاريخ الكارثة بتصرف يحتفظ بالمادة التاريخية ولكن مع وضعها في إطار درامي، فليخاسوف انتحر فعلا بعد سنتين من كارثة تشرنوبيل، لكنه لم يوجد في المحاكمة، والعالمة أولانا خوميوك (إميلي واتسون)، التي جمعت شهادات العاملين في المفاعل النووي قبل وفاتهم وقدمت معلومات مهمة عن الأخطاء التي حدثت أثناء التجربة التي أدت لانفجار المفاعل، ودعت ليخاسوف للانحياز لضميره كعالم في فضح أكاذيب السلطة في موسكو، شخصية اخترعها الكاتب لتمثل كل العلماء السوفيت الذين شاركوا واقعيا مع ليخاسوف في التحري عما حدث في تشرنوبيل وإيقاف تداعيات الكارثة، أو لتكريم ولائهم وخدمتهم للمعرفة والبشرية.

كريج مازن ومن خلال حوار الشخصيات يجعل المشاهد يفهم بشكل علمي مبسط كيفية عمل المفاعل النووي، وبالتالي يدرك حجم الكارثة وأبعادها ومعنى تضحيات الذين قبلوا أن يشاركوا من عمال مناجم ومتطوعين وغيرهم.

الحقيقة تنتظر

تم التصوير في مدينة صممت بشكل يحاكي تشرنوبيل في ليتوانيا، وعثر المخرج على مفاعل نووي متوقف عن العمل في فيزاجيناس، استخدم في تصوير اللقطات الخارجية والداخلية للمفاعل، وهو من نوع وتصميم مفاعل تشرنوبيل نفسه.

المسلسل عن تصدي أمة لكارثة تهددها، وعن العلماء وشرف المعرفة والولاء لها، وعن الضحايا الأبرياء لسلطة تريد أن تقودهم من دون أن تخبرهم عن مصيرهم، وتكريم لمن ضحوا بأنفسهم من أجل ألايموت الملايين، وعن الحقيقة التي “تنتظر طوال الوقت رغم الأكاذيب.. ولا تهتم برغباتنا أو بما نريد، ولا تهتم بحكوماتنا ولا أيديولوجياتنا ولا ديننا”. في بداية المسلسل يطرح سؤال عن ثمن الأكاذيب، وكل ما حدث في تشرنوبيل كان هو الإجابة.

Loading...