“ميكا”.. طفل مفاصل القدر

0 24٬888

إسماعيل فروخي مخرج لم يعد بحاجة لإثبات موهبته، وتمكنه من أدواته السينمائية، خاصة بعد المسار السينمائي الغني بالمنجزات الفيلمية، الروائية القصيرة والروائية الطويلة، الذي خطه. يكفي هنا أن أشير لأفلام “العرض” و”بين الصغير” والرحلة الكبرى” و”الرجال الأحرار”، لنعرف مدى قوة ما أنجز من أشرطة، خاصة وأن جل هذه الأفلام حصلت على جوائز محترمة في مختلف المهرجانات العالمية.

من خلال فيلمه الجديد “ميكا” (الذي حصل به وهو مشروع على الجائزة الكبرى بمنطلق الجونة سنة 2019)، يخبرنا فروخي أنه مصر على مراكمة التجارب بشكل استثنائي، صحيح أن الفيلم، وهو يشارك في الدورة الرابعة لمهرجان الجونة، الذي اختتمت فعالياته في أكتوبر 2020، لم يحصل على أية جائزة، والسبب يعود بالأساس لقوة الأفلام المتنافسة، وتقارب مستوياتها الفنية والتقنية، إلى أنه حصل، في تقديري، على ما هو أكثر رفعة وأهمية، لقد حصل على حب ضيوف المهرجان عامة، وإعجاب النقاد والصحافيين، وكل جموع السينمائيين الذي كانوا حاضرين خلال هذه الدورة الاستثنائية، لحد أنه كان طيلة أيام المهرجان، محط حديث الجميع، بل الكثير من الحاضرين رشحوه للفوز بجائزة من الجوائز، أقلها تنويه للطفل زكريا عنان، الذي لعب شخصية “ميكا” بكل اقتدار. لكن رياح لجنة التحكيم هبت بما لم يشتهيه عشاق السينما الذين أعجبوا بالفيلم وبأداء بطله.

مقاربة بسيطة للفيلم تجعلك تقر بأنه عزف سينمائي جديد، على موضوع قديم، موضوع الهجرة الذي طالما تناولته السينمات العالمية، وأساسا منها المغربية والمغاربية عامة، إلا أن رؤية فروخي لموضوعه، جاءت لتضفي إضافات فكرية وتقنية جديدة، بمسحة إنسانية جد عميقة ومؤثرة. تركت أثارها في نفسية كل من شاهده. لقد تم تصوير حلم طفل صغير لا تتجاوز سنه العاشرة ربيعا، بإمكانيات فنية كبيرة، حلم ركوب مغامرة “الحريك”، والوصول للضفة الأوروبية، أساسا مدينة مارسيليا الفرنسية، وهو حلم لم يتحقق طيلة مدة الفيلم، لكنه ظل هاجسا يسكن جوانحه وجوانحنا كمتفرجين، يريد أن يلتحق بصديقه، الذي استطاع أن يعبر لجة البحر، والوصول للأرض الموعودة، الغارقة في نعيم يسكن الأفئدة، دون أن يكون نعيما حقيقيا، اللهم في مخيلة من يتوهم أنه يعيش في بلد، يعتقد أنها، لا تستحق أمانيه “الكبير”.

سعيد، أو “ميكا” كما يناديه الجميع (لكونه يبيع الأكياس البلاستيكية في سوق شعبي للخضروات)، ابن عائلة فقيرة معوزة تعيش على هامش المجتمع المغربي، يجد نفسه، على الرغم من عمره الغض وبنيته الضئيلة، يكابد فصول مغامرة إنسانية مثيرة، وهو يحمل لمدينة الدار البيضاء الكبيرة، بعد أن جاء الحاج قدور، أحد معارف العائلة، لحمله معه، كي يساعده في شغل الاهتمام بنظافة ومراقبة ناد لكرة المضرب، وهي المهمة التي لم يكن متهيئا لها، بالنظر لصغر سنه وقلة خبرته. هناك سيحس بالغربة والاقتلاع، سيكتشف مجتمعا آخر لا قبل له به، مجتمع علية القوم، والأطفال العائشين في رغد العيش. أطفال ينظرون له من وراء السياج بنظرات استعلاء، وعندما يحاول أن يدافع عن نفسه عندما يلحق به الأذى من طرف ابن مدير النادي. يقابل بعقاب من طرف الحاج قدور، الذي يصر أن يجعل الطفل يعيش منزويا بعيدا عن أطفال النادي، أن يعي أنه من فصيلة أخرى غير فصيلة من ولدوا وملاعق من ذهب في أفواههم.

الظلم الذي يتعرض له “ميكا” يوميا داخل فضاءات النادي، انعكاس بليغ للظلم الذي يعيشه الفقراء بين مفاصل المجتمع، والطفولة المغتصبة بفعل الجهل والفقر، أي مجتمع الفوارق الطبقية الصارخة، وانتفاء العدالة الاجتماعية، اللهم عدالة الواقع الذي لا يرحم، واقع يترك أبناء الطبقات الدنيا تتناهش وتتهارش فيما بينها، من أجل لقمة خبز وحدها. نعاين كل ذلك في الفيلم، من خلال مجموعة مشاهد، من بينها، مشهد العراك بين “ميكا” وجمع من الأطفال على احتكار بيع الأكياس البلاستيكية في سوق شعبي بالبادية، ومشهد سرقة مجموع أطفال مشردين لحقيبته وملابسه، عندما ترك النادي، بحثا عن مخرج جديد، وليعيش وقتا صعبا متشردا بين شوارع البيضاء. لقد تحمل “ميكا” قرارات البحث عن الحرية المشتهاة، وتحمل تبعاتها كطفل يجاهد، ويحاول أن يجد مخرجا لواقعه البئيس، أقلها منفذ للتسلل داخل ميناء البيضاء لركوب باخرة تحمله للعالم الآخر، أو شاحنة يتوارى داخل أحشائها تقله لفرنسا الحلم. لكن كل هذا لا يتحقق لأن الحراسة مشددة، وعصابات التهريب المتحكمة في المكان، لا تترك له أدنى فرصة، وتطالبه بدفع مقابل مالي إن كان يريد الخروج والهروب من الوطن الذي أنجبه دون أن يوفر له الحياة الكريمة، هو الذي لا يملك ما يسد به رمقه.

وكما يحدث أحيانا في الأفلام الهندية المنتصرة للأمل، يلتقي “ميكا” بمعلمة للعبة كرة المضرب، وهي نجمة سابقة لهذه اللعبة، حيث يقع بينهما تواصل غريب، وانجذاب انساني عفوي، مؤسس على التعاطف الناتج عن كون المدربة رأت فيه طفولتها القاسية، ونضالها من أجل إثبات الذات قبل أن تصبح مشهورة، لهذا قررت أن تساعده وتدفع به إلى الأمام. ورغم إكراهات الواقع وقوانين النادي، فإن المدربة ستسطر له حصصا تدريبية سرية، ورغم كل ما يحصل من العنت، يكبر حلم أن يكون ل”ميكا” مستقبل مختلف، لكن الواقع أقسى من أن يترك لفرد، قادم من هامش المجتمع، أن يحقق ما يصبو إليه. لقد تكالبت الأنواء والشدائد، ودفعت به إلى الهروب مرة أخرى، ثم العودة، لكي يحمل مضربا، ويشارك في منافسة باسم مستعار.

بناء الفيلم فرض على المخرج تبني بناء كلاسيكي في تقديم وسرد الأحداث، أي: بداية وعقدة ونهاية، نهاية جاءت مفتوحة على كل الاحتمالات، لأن “ميكا”، ورغم الهزيمة، نال عطف وحب كل من تابع المباراة النهائية ومن بينهم الأطفال الذي كانوا يحتقرونه ويسخرون منه من قبل.  كما أن الاختيارات الجمالية كانت محكومة بالبعد الاجتماعي للفيلم، حيث ظلت رؤيته وفية للواقع “المباشر” في المقاربة وتصوير فضاءات النادي وأزقة وشوارع البيضاء، التي حملت للشاشة كما هي موجودة في العالم الخارجي، مع توظيف رمزية واضحة، تعكس التفاوت الحاصل في الواقع بشكل فاقع، التفاوت الطبقي وسيادة قانون المال الذي يفرض سلطته على الإنسان وكل الأمكنة التي يحيا فيها.

لتبقى، من وجهة نظري، قوة الفيلم في المسحة الإنسانية التي هيمنت على أجوائه، إضافة لاختيار ممثليه، عز العرب الكغاط وصابرينا وزاني، الذين جسدا أدوارهما بكثير من الحرفية، لقد استطاع إسماعيل فروخي، أن يستثمر كل إمكانياتهم الفينة، فكانا كما يجب أن يكونا، دون تحذلق أو إفراط في إبداء المشاعر التي يجب أن تحضر، دون أن يحس المتفرج بطغيانها، لقد أخضعهما لحرفيته الإبداعية، وهي حرفية تجسدت أكثر في إدارته للطفل زكريا عنان (الذي وقف هنا لأول مرة أمام الكاميرا)، مجسدا شخصية تتطلب إمكانيات عالية، وإدارة دقيقة لكيلا يضيع المعنى في غمرة تراكم وتتابع الأحداث.  لقد استطاع إسماعيل أن يجعل من زكريا “ميكا” كما تصوره، الطفل المهووس بأحلام الهروب، والموهوب بلعبة كرة المضرب، بل نجح إلى حد بعيد، في أن ينتزع من المتفرجين كل مشاعر الحب والتقدير تجاه كائن صغير أعزل، أصر على طرق أبواب التحدي والنجاح. وهو ما تجسد بعد انتهاء العرض من “هجوم” جموع الحاضرين، بعضهم كانت لا تزال الدموع تترقرق في عيونهم، لأخذ صور تذكارية مع هذا الممثل الموهوب، ممثل أسرع نجوم مصر الكبار (ليلى علوي وإلهام شاهين وجمال سليمان وإيناس الدغيدي) للتصوير معه. وبالتالي يمكنني القول، إن هذا الطفل القادم من تخوم مدينة القنيطرة المغربية، أن يكون له شأن في المستقبل إذا ما وجد من يهتم به. أما إسماعيل فروخي فله أصلا شأن يجعلنا نفتخر به كمخرج مغربي يعرف ما يصنع بكل ثقة في النفس.

Loading...